تحليل | مفارقة الودائع الفلسطينية.. لماذا تنمو أموال غزة؟

ChatGPT Image Jul 27, 2026 at 10_56_49 PM.png
المنقبون - The Miners

تكشف بيانات سلطة النقد الفلسطينية للنصف الأول 2026 عن مفارقة لافتة في المشهد المصرفي الفلسطيني.

ففي الوقت الذي لا يزال فيه النشاط الاقتصادي في قطاع غزة شبه متوقف بفعل الحرب، ودمار جزء واسع من البنية الإنتاجية والتجارية، وارتفاع البطالة وتراجع الاستثمار، واصلت ودائع العملاء في بنوك القطاع تسجيل نمو أسرع من نظيرتها في الضفة الغربية.

وبحسب تحليل منصة المنقبون لبيانات سلطة النقد، ارتفع إجمالي ودائع العملاء في الجهاز المصرفي الفلسطيني من نحو 21.86 مليار دولار في نهاية عام 2025 إلى 23.18 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بزيادة بلغت 1.32 مليار دولار، تعادل نحو 6% خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وارتفعت ودائع الضفة الغربية من 16.80 مليار دولار إلى 17.55 مليار دولار، بزيادة قدرها نحو 747 مليون دولار، أو ما نسبته 4.4%. 

أما في قطاع غزة، فقفزت الودائع من 5.06 مليارات دولار إلى نحو 5.63 مليارات دولار، بزيادة تقارب 570 مليون دولار، ونمو بلغ نحو 11.3%.

ارتفع إجمالي ودائع العملاء في الجهاز المصرفي الفلسطيني من نحو 21.86 مليار دولار في نهاية عام 2025 إلى 23.18 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بزيادة بلغت 1.32 مليار دولار، تعادل نحو 6% خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وهكذا، ورغم أن غزة كانت تمثل نحو 23% من إجمالي الودائع الفلسطينية في نهاية 2025، فإنها أسهمت بنحو 43% من الزيادة المسجلة في الودائع خلال النصف الأول من 2026، وهو ما يجعلها العنصر الأكثر إثارة للاهتمام في الأرقام.

زيادة تقودها السيولة

المفارقة لا تتوقف عند نمو ودائع غزة، بل تمتد إلى طبيعة هذه الودائع. فقد ارتفعت الودائع من دون فائدة في غزة من 4.26 مليارات دولار نهاية 2025 إلى 4.70 مليارات دولار بنهاية يونيو 2026، بزيادة بلغت نحو 438 مليون دولار.

في المقابل، ارتفعت الودائع بفائدة من نحو 799 مليون دولار** إلى 932 مليون دولار**، بزيادة تقترب من 133 مليون دولار. 

وهذا يعني أن أكثر من ثلاثة أرباع النمو المسجل في ودائع غزة جاء من الأموال الموجودة في الحسابات الجارية والحسابات تحت الطلب، وليس من الودائع لأجل أو الأدوات الادخارية الباحثة عن العائد.

رغم أن غزة كانت تمثل نحو 23% من إجمالي الودائع الفلسطينية في نهاية 2025، فإنها أسهمت بنحو 43% من الزيادة المسجلة في الودائع خلال النصف الأول من 2026، وهو ما يجعلها العنصر الأكثر إثارة للاهتمام في الأرقام.

وتشير قراءة منصة المنقبون إلى أن هذا التوزيع لا يعكس دورة اقتصادية طبيعية، لأن الاقتصاد الذي يشهد نمواً إنتاجياً عادة ما يسجل توسعاً في الائتمان والاستثمار والودائع طويلة الأجل. 

أما في غزة، فالأرقام تبدو أقرب إلى تراكم سيولة مصرفية لا تجد طريقها إلى النشاط الاقتصادي الحقيقي، بسبب قيود الائتمان من قبل البنوك وتراجع الطلب من العملاء.

الشيكل يرفع القيمة المحاسبية

تكشف البيانات أن الودائع المقومة بالدولار كانت المحرك الأكبر للنمو في غزة. فإجمالي الودائع الدولارية، سواء بفائدة أو من دون فائدة، ارتفع من نحو 2.74 مليار دولار في نهاية 2025 إلى حوالي 3.12 مليارات دولار في يونيو 2026، بزيادة تناهز 372 مليون دولار.

وفي المقابل، ارتفعت الودائع المقومة بالشيكل، بعد تحويلها إلى الدولار في جداول سلطة النقد، من نحو 2.00 مليار دولار إلى 2.18 مليار دولار، بزيادة تقارب 175 مليون دولار. أما ودائع الدينار الأردني، فظلت شبه مستقرة عند نحو 250 مليون دولار.

ويرجح تحليل منصة المنقبون أن هيمنة الدولار على نمو الودائع في غزة ترتبط بطبيعة الأموال الداخلة إلى القطاع، إذ تُحوّل المساعدات الدولية، ومدفوعات المؤسسات الإنسانية، ورواتب العاملين في المنظمات الدولية، والتحويلات العائلية من الخارج، في جزء كبير منها بالدولار.

لكن هذه ليست القصة كاملة. فجزء من الزيادة المسجلة في قيمة الودائع، خصوصاً الودائع المقومة بالشيكل، يعود إلى ارتفاع سعر صرف الشيكل أمام الدولار خلال النصف الأول من 2026.

فبيانات سلطة النقد معروضة بالدولار الأميركي، بينما يحتفظ العملاء بجزء كبير من ودائعهم بالشيكل. وعندما يرتفع الشيكل مقابل الدولار، ترتفع القيمة الدولارية للرصيد نفسه، حتى لو لم تدخل أموال جديدة إلى الحسابات.

هيمنة الدولار على نمو الودائع في غزة ترتبط بطبيعة الأموال الداخلة إلى القطاع، إذ تُحوّل المساعدات الدولية، ومدفوعات المؤسسات الإنسانية، ورواتب العاملين في المنظمات الدولية، والتحويلات العائلية من الخارج، في جزء كبير منها بالدولار.

وهذا يعني أن زيادة الودائع الواردة في البيانات تجمع بين عاملين: نمو فعلي في الأرصدة والتدفقات المالية، وأثر محاسبي ناتج عن إعادة تقييم العملات عند تحويلها إلى الدولار.

لذلك لا يمكن اعتبار كامل الزيادة البالغة 1.32 مليار دولار تدفقات مصرفية جديدة، كما لا يمكن اعتبار كامل نمو ودائع الشيكل مؤشراً على ارتفاع مماثل في قيمتها بالعملة الأصلية.

ويعد هذا التفصيل ضرورياً لفهم أرقام الضفة أيضاً، حيث بلغت الودائع المقومة بالشيكل نحو 6.66 مليارات دولار بنهاية يونيو، مقارنة بنحو 6.45 مليارات دولار نهاية 2025. 

فجزء من هذا الارتفاع قد يكون ناتجاً عن تحسن الشيكل أمام الدولار، وليس فقط عن إضافة أرصدة جديدة بالشيكل.

لماذا ترتفع ودائع غزة؟

في الظروف الطبيعية، ترتفع الودائع بالتوازي مع تحسن الدخول والإنتاج وأرباح الشركات. لكن في غزة، يبدو أن العلاقة بين الاقتصاد الحقيقي والجهاز المصرفي قد انقطعت مؤقتاً.

تتدفق إلى غزة تحويلات من الفلسطينيين في الخارج، ومساعدات إنسانية، ورواتب موظفين، ومدفوعات لموردين ومؤسسات تعمل في الإغاثة، أو حوالات عائلية. 

وتتدفق إلى غزة تحويلات من الفلسطينيين في الخارج، ومساعدات إنسانية، ورواتب موظفين، ومدفوعات لموردين ومؤسسات تعمل في الإغاثة، أو حوالات عائلية. 

وتمر هذه الأموال عبر الحسابات المصرفية، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى استهلاك أو استثمار بالسرعة المعتادة، بسبب تدمير الأسواق، وصعوبة الحركة، وتعطل المنشآت، ونقص السلع، والقيود على السحب النقدي والتحويلات.

وأكثر ما لفت انتباه منصة المنقبون، هو أن ودائع غزة لم ترتفع فقط، بل ارتفعت بمعدل يفوق ضعف نمو ودائع الضفة، في وقت يفترض فيه منطق الاقتصاد التقليدي حدوث العكس تماماً.

وهذا لا يعني تعافي غزة مالياً، بل قد يعني أن النظام المصرفي تحول إلى خزان للأموال الوافدة من الخارج والمجمدة داخل الحسابات، بينما بقيت قنوات الإنفاق والاستثمار والإنتاج معطلة.