امتحانٌ جديدٌ وعميق تُساق إليه أسواق المال، وتُدفع إليه الشركات التكنولوجية دفعا، لا ترفا ولا تدرّجا.
امتحان لا يُقاس بنتائج ربعٍ مالي معين، بل يُقاس بقدرة الكيانات على تبديل جلدها قبل أن يداهمها الزمن، وبمدى استعدادها لمشهدٍ نقديٍّ أمريكيٍّ تتبدل فيه الوجوه وتختلف فيه النبرات، وإن تشابهت العناوين.
فالتحول التكنولوجي القائم اليوم ليس خياراً يُؤخذ أو يُترك، بل ضرورة تُقبل أو تُدفع أثمانها.
إنفاقٌ ماليٌّ ضخم يتجاوز حسابات الأسواق، بل يعلو على ما اعتادته الشركات نفسها، كأنه إعلان قاطع بأن نماذج أعمالٍ قديمة قد بلغت منتهاها، وأن نموذجاً جديداً قد اعتلى المسرح، رافعاً راية الذكاء الاصطناعي عنواناً لمرحلة قد تطول سنينها، وتشتد معاركها.
وبان الفارق جليّاً بين من أحسن قراءة اللحظة فبادر، ومن آثر التريث فتهاوى. فشركاتٌ كـ«ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» لم تنتظر شهادة الاطمئنان من الأسواق، بل صنعتها بإنفاقٍ محسوب ورؤيةٍ نافذة.
وعلى الضفة الأخرى، ظهرت شركاتٌ كانت تغض الطرف عن نُذُر طال التحذير منها، حتى إذا بالزلزال يهز أركانها، وقد ظنت أن الاقتصاد في الإنفاق فضيلة مطلقة، فإذا به تقصيرٌ حين يكون المستقبل هو الرهان.
وهنا تتجلى المفارقة: شركات البرمجيات التي سعت إلى إرضاء مستثمريها بالحفاظ على السيولة، فاكتفت من الذكاء الاصطناعي بـ«قبولٍ» لا «إقبال»، وبـ«تعَرفٍ» لا «اعتراف».
فجاءها الرد قاسياً حين أضافت «أنثروبيك» تحسيناتها إلى «كلود»، فانكشف الخوف الدفين لدى المستثمرين، لا من المنافس وحده، بل من مصير شركاتٍ لم تُحسن الدفاع عن غدها، فخسرته في أعين من كانت تحرص على أموالهم بالأمس.
وليس هذا النزيف عارضا، بل دلالة. دلالة على أن المستثمر لا يحمي ماله حيث يُحفظ، بل حيث يُنمّى. ولا يثق بمن يكتفي بالحذر، بل بمن يُحسن الجرأة حين تكون الجرأة فكرًا لا تهورًا.
ويبدو أن التقلبات ستظل رفيقة الأسواق في المدى القريب؛ تبدأ مع إفصاحات رائد الذكاء الاصطناعي «إنفيديا»، وتمتد إلى ما بعد منتصف مايو، حيث يتغير مقام السياسة النقدية، ويعلو فوق الفيدرالي ظلٌّ سياسي يعرف كيف يخاطب رؤوس الأموال، لا تلك التي تكدّس، بل تلك التي أحسنت الاستثمار في ذكاءٍ لم يعد صناعيا فحسب، بل حاسما.