قبل 13 عاماً، كانت المساعدات الخارجية تضخ أكثر من 1.3 مليار دولار سنوياً في الموازنة الفلسطينية، وتشكل إحدى الركائز الأساسية لتمويل النفقات الحكومية والمشاريع التطويرية.
أما في 2025، فلم يتجاوز الدعم الخارجي للموازنة 516 مليون دولار، بعدما فقد نحو 62% من قيمته مقارنة بذروته المسجلة في 2013.
وبين التاريخين، تغيرت خريطة المانحين جذرياً؛ فالولايات المتحدة انسحبت من تمويلها الثنائي السابق للفلسطينيين، والدعم المالي العربي المنتظم توقف منذ منتصف 2020 بحسب الحكومة الفلسطينية، بينما أصبحت المساعدات الأوروبية المتبقية محاطة بمزيد من الشروط السياسية والإصلاحية.
واليوم، يطل خطر جديد على المالية الفلسطينية، مع تصاعد المخاوف من احتمال تأثر الدعم الأوروبي بقرار تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية من نوفمبر 2026 إلى سبتمبر 2027.
لكن القصة ليست مجرد تراجع في المساعدات، بل تحول تدريجي في قدرة الحكومة الفلسطينية على تمويل التزاماتها، في وقت لا تمتلك فيه السيطرة الكاملة على مواردها وإيراداتها.
2012–2014.. آخر سنوات المليارات
يكشف مسح أجرته منصة «المنقبون» للبيانات المالية الفلسطينية الرسمية أن المساعدات الخارجية الموجهة إلى الموازنتين العامة والتطويرية بلغت نحو 1.3 مليار دولار في 2012.
وفي 2013، ارتفعت إلى 1.362 مليار دولار، مسجلة أعلى مستوى في السلسلة التي رصدتها المنصة بين عامي 2012 و2025.
وكان ذلك العام آخر سنوات رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض في رئاسة الحكومة، قبل انتقال المنصب إلى رامي الحمد الله.
وفي 2014، تراجع الدعم الخارجي إلى 1.230 مليار دولار، ليكون آخر عام تتجاوز فيه المساعدات الموجهة إلى الموازنة حاجز المليار دولار.
القصة ليست مجرد تراجع في المساعدات، بل تحول تدريجي في قدرة الحكومة الفلسطينية على تمويل التزاماتها، في وقت لا تمتلك فيه السيطرة الكاملة على مواردها وإيراداتها.
وتزامن بدء هذا الانخفاض مع مرحلة أعقبت حصول فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة في نوفمبر 2012. وهنا تظهر مفارقة سياسية واقتصادية.
فبينما كانت فلسطين توسع حضورها الدبلوماسي الدولي، لم تنعكس هذه المكاسب على قدرتها على الاحتفاظ بتدفقات مالية مستقرة.
ولا يعني ذلك أن الاعتراف الدولي تسبب في انخفاض الدعم، لكنه يوضح أن المكاسب الدبلوماسية لم تكن كافية لحماية الموازنة من تغير أولويات المانحين.
2015–2017.. نصف مليار دولار يتبخر
في 2015، هبط إجمالي الدعم الخارجي للموازنة الفلسطينية إلى 798 مليون دولار، مقارنة بنحو 1.230 مليار دولار في العام السابق. أي أن الموازنة فقدت خلال عام واحد نحو 432 مليون دولار من المساعدات، بانخفاض نسبته 35%.
واستمر التراجع في 2016، عندما بلغ الدعم 765 مليون دولار، قبل انخفاضه إلى 719 مليون دولار في 2017.
وبذلك، فقدت الموازنة الفلسطينية نحو 511 مليون دولار من قيمة دعمها السنوي خلال ثلاث سنوات فقط، مقارنة بعام 2014.
ولم يكن التراجع مجرد انخفاض في بند مالي، بل بداية تحول هيكلي في طريقة تمويل الإنفاق الحكومي.
فالمساعدات الخارجية كانت توفر مورداً يساعد على سد الفجوة بين الإيرادات المحلية والنفقات العامة، خصوصاً في ظل محدودية القاعدة الإنتاجية الفلسطينية والقيود الإسرائيلية على التجارة والاستثمار والموارد.
ومع انحسارها، أصبحت الحكومة أكثر اعتماداً على الإيرادات المحلية وأموال المقاصة والاقتراض وتأجيل المستحقات.
2017–2019.. أميركا توقف مساعداتها
بدأ التحول الأميركي الحاسم في ديسمبر 2017، عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وأثار القرار أزمة عميقة مع القيادة الفلسطينية، التي رفضت استمرار الإدارة الأميركية وسيطاً منفرداً في عملية السلام. وخلال 2018، تحولت الخلافات السياسية إلى إجراءات مالية.
فقد أعادت الإدارة الأميركية توجيه مئات ملايين الدولارات من المساعدات الاقتصادية المخصصة للضفة الغربية وقطاع غزة، وأوقفت تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».
كما دخل قانون «تايلور فورس»، الذي أقره الكونغرس في مارس 2018، على خط الأزمة، إذ فرض قيوداً على بعض المساعدات الاقتصادية التي تعود بالنفع المباشر على السلطة الفلسطينية، بسبب المدفوعات المخصصة للأسرى وعائلات الشهداء الفلسطينيين.
وكان الموقف الأميركي يعتبر هذه المدفوعات حوافز على العنف، بينما تصفها القيادة الفلسطينية بأنها التزامات اجتماعية ووطنية تجاه الأسرى وعائلاتهم.
وفي أكتوبر 2018، أُقر قانون أميركي آخر، هو «قانون توضيح مكافحة الإرهاب»، الذي أثار مخاوف فلسطينية من التعرض لدعاوى قضائية أمام المحاكم الأميركية في حال الاستمرار في تلقي أنواع معينة من المساعدات.
وبحلول 31 يناير 2019، توقف التمويل الثنائي الأميركي للفلسطينيين.
وهكذا، فإن الانسحاب الأميركي لم يحدث دفعة واحدة في 2017؛ بل بدأ بتصعيد سياسي في ذلك العام، تلاه تقليص واسع للمساعدات في 2018، وصولاً إلى توقف التمويل الثنائي مطلع 2019.
وفي بيانات «المنقبون»، بلغ إجمالي الدعم الخارجي للموازنة الفلسطينية نحو 697 مليون دولار في 2018، مقارنة بنحو 719 مليون دولار في 2017.
ثم تراجع إلى 610 ملايين دولار في 2019، وهو العام الذي تولى فيه محمد اشتية رئاسة الحكومة الفلسطينية.
ومع أن واشنطن استأنفت لاحقاً تمويل برامج إنسانية وتنموية للفلسطينيين عبر جهات منفذة، فإن ذلك لم يمثل عودة إلى نموذج الدعم المباشر السابق للموازنة الفلسطينية.
2020.. العرب ينسحبون
وإذا كانت الولايات المتحدة قد قلصت دورها المالي، فإن عام 2020 شهد تحولاً آخر لا يقل أهمية. فبحسب تصريحات الحكومة الفلسطينية آنذاك، توقف الدعم المالي العربي المنتظم للموازنة اعتباراً من يونيو 2020.
وجاء ذلك في عام شهد جائحة كورونا، وتدهور النشاط الاقتصادي، وتصاعد التوترات السياسية الإقليمية.
وبلغ إجمالي الدعم الخارجي للموازنة الفلسطينية نحو 488 مليون دولار في 2020، مقارنة بنحو 610 ملايين دولار في 2019.
ولم يكن توقف الدعم العربي يعني اختفاء جميع المساهمات المالية العربية، لكنه شكل نهاية لمرحلة كانت فيها السلطة الفلسطينية تتوقع تدفقات أكثر انتظاماً من بعض الدول العربية.
وخلال السنوات اللاحقة، استمر وصول مساعدات استثنائية من دول بينها الجزائر والعراق وقطر، وإن اختلفت قيمتها وطبيعتها والجهات المستفيدة منها.
2021.. المنح تصل إلى القاع
في 2021، هبط إجمالي الدعم الخارجي للموازنة الفلسطينية إلى 317 مليون دولار فقط. وكان ذلك أدنى مستوى في السلسلة التي رصدتها «المنقبون» خلال الفترة 2012–2025.
وبالمقارنة مع ذروة 2013، تكون المساعدات قد انخفضت بنحو 1.045 مليار دولار، أي بنسبة تقارب 77%.
يثير تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية مخاوف من احتمال تشديد الشروط الأوروبية المرتبطة بالتمويل أو تأخير بعض المخصصات.
وشهد العام نفسه تراجعاً حاداً في الدعم الأوروبي المباشر للموازنة، من مستويات كانت تدور حول 230 مليون دولار إلى أقل من 70 مليون دولار، بحسب البيانات التي رصدتها المنقبون.
ومع هذا الانكماش، أصبحت الحكومة أكثر تعرضاً لأزمات السيولة، خصوصاً مع استمرار الخلافات بشأن إيرادات المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية.
فكلما تراجعت المساعدات الخارجية، ازدادت أهمية الأموال التي تحصل عليها السلطة من الضرائب والجمارك المحصلة عبر إسرائيل.
وهكذا وجدت المالية الفلسطينية نفسها أمام مصدرين غير مستقرين للتمويل: منح خارجية تتراجع أو تتأخر، وإيرادات مقاصة لا تتحكم الحكومة بصورة كاملة في تحويلاتها.
2022–2025.. انتعاش مؤقت
بعد الوصول إلى القاع في 2021، شهدت المساعدات الخارجية تحسناً نسبياً. ففي 2022، ارتفع الدعم إلى 510 ملايين دولار، مدعوماً بمساهمات استثنائية، من بينها نحو 100 مليون دولار قدمتها الجزائر.
وفي 2023، بلغ الدعم نحو 540 مليون دولار، وفق الأرقام التي رصدتها «المنقبون». ثم ارتفع إلى نحو 700 مليون دولار في 2024، وهو أعلى مستوى منذ 2017.
لكن التحسن لم يستمر. ففي 2025، انخفض الدعم الخارجي مجدداً إلى نحو 516 مليون دولار، بتراجع قدره 184 مليون دولار مقارنة بالعام السابق، أو نحو 26%.
وبالمقارنة مع 2013، خسرت الموازنة الفلسطينية نحو 846 مليون دولار من دعمها السنوي، أي ما يعادل انخفاضاً بنحو 62%.
2026.. هل تخسر فلسطين آخر مصادر التمويل؟
بعد تراجع الدور الأميركي وانحسار الدعم العربي المنتظم، بات التمويل الأوروبي أحد أبرز مصادر الدعم الخارجي للمؤسسات الفلسطينية.
لكن قرار تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية من نوفمبر 2026 إلى سبتمبر 2027 أعاد طرح تساؤلات بشأن مستقبل هذه العلاقة المالية.
فالاتحاد الأوروبي يربط جانباً من دعمه المؤسسي للسلطة الفلسطينية بمسارات الإصلاح والحوكمة والمساءلة وتعزيز الشرعية الديمقراطية.
ومن هذا المنطلق، يثير تأجيل الانتخابات مخاوف من احتمال تشديد الشروط المرتبطة بالتمويل أو تأخير بعض المخصصات.
وتزداد حساسية هذه المخاوف مع تداول تقديرات تشير إلى أن المساعدات الأوروبية للفلسطينيين تصل إلى متوسط سنوي يقارب 800 مليون دولار.
