في السياسة الفلسطينية، قد يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً للأحزاب اليوم ليس من يستطيع إلقاء الخطاب الوطني الأكثر تأثيراً، بل من يستطيع توفير فرصة عمل، وتحسين الخدمات، وحماية دخل أسرة تعيش تحت ضغط اقتصادي متواصل.
بعد عقود من المفاوضات والتحركات الدبلوماسية، لم تنجح القيادة الفلسطينية في تحويل المكاسب السياسية والاعترافات الدولية إلى دولة مستقلة أو إنهاء الاحتلال أو تحقيق تحسن مستدام في الظروف المعيشية.
وبينما تتواصل الأزمات المالية والانقسام السياسي، تتزايد أهمية سؤال مختلف: هل يستطيع رأس المال الاقتصادي أن يمنح أصحابه نفوذاً انتخابياً ينافس النفوذ التقليدي للأحزاب والفصائل؟
المفارقة أن رجل الأعمال لا يحتاج بالضرورة إلى تقديم نفسه بديلاً عن المشروع الوطني. فقد يطرح برنامجاً يبدأ من تحسين حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، باعتبار تعزيز قدرتهم على البقاء والعمل والإنتاج شرطاً لبناء اقتصاد أكثر استقلالاً.
لكن هذه المقاربة تفتح بدورها سؤالاً صعباً: هل يستطيع الاقتصاد أن يحقق اختراقاً في واقع تعجز السياسة عن تغييره؟
انتخابات مؤجلة وأزمة ثقة
اكتسب هذا النقاش زخماً إضافياً بعدما أصدر الرئيس محمود عباس، في 10 أكتوبر 2026، مرسوماً بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر 2026 إلى 11 سبتمبر 2027، على أن تُجرى بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
وعزت القيادة الفلسطينية القرار إلى تدهور الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية، والقيود الإسرائيلية التي تعرقل إجراء انتخابات شاملة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
لكن التأجيل، مهما كانت مبرراته، يمدد غياب التجديد الانتخابي للمجلس التشريعي الذي لم تُجرَ انتخاباته منذ عام 2006.
وتتجاوز تداعيات ذلك موعد الاقتراع نفسه، إذ تطرح تساؤلات بشأن قدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجديد مؤسساته وإفساح المجال أمام قوى وشخصيات جديدة.
وكلما طال غياب الانتخابات، تراكمت الأسئلة بشأن التمثيل والمساءلة، واتسعت احتمالات ظهور مشاريع انتخابية تسعى إلى تقديم نفسها خارج الاصطفافات التنظيمية التقليدية.
بشار المصري
في هذا السياق، يبرز اسم رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، بوصفه أحد أبرز الوجوه الاقتصادية التي يمكن أن تعكس انتقال النقاش من النفوذ التجاري والاستثماري إلى المشاركة السياسية.
وكان المصري قد أعلن دعمه للقوائم الانتخابية الديمقراطية والتقدمية التي تضع احتياجات المواطنين في مقدمة أولوياتها، وتضمن تمثيلاً للشباب والنساء ومختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.
وتبرز في النقاشات الانتخابية معلومات عن قائمة مستقلة مرتبطة بالمصري، يُقال إنها تضم أكثر من 131 اسماً، ينشط عدد كبير منهم في قطاعات الاقتصاد الفلسطيني.
القائمة قد تطرح نموذجاً يستحق الدراسة: قائمة تعتمد بدرجة كبيرة على شخصيات لديها خبرة في الاستثمار والإدارة والعمل الاقتصادي، بدلاً من الاعتماد حصراً على الكوادر التنظيمية التقليدية.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان رجل الأعمال يستطيع تمويل حملة انتخابية واسعة؛ فهذا جانب من المنافسة فقط.
السؤال الأهم هو ما إذا كان يستطيع تحويل تجربته الاقتصادية إلى برنامج سياسي واجتماعي يقنع الناخب بأن تحسين ظروف حياته ممكن حتى قبل الوصول إلى حل سياسي شامل.
ورغم تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية من نوفمبر 2026 إلى سبتمبر 2027، يواصل رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري قيادة حملة توعية وتثقيف سياسي واقتصادي لأعضاء قائمته المستقلة، من خلال سلسلة ندوات ولقاءات تعريفية تتناول الواقع الفلسطيني بتعقيداته المختلفة.
وتركز هذه اللقاءات، وفق المعلومات المتاحة، على ملفات الاقتصاد والمياه والطاقة والتشريعات، إلى جانب القيود الإسرائيلية التي تتحكم في حركة التجارة والاستثمار والوصول إلى الموارد الطبيعية، وتحد من قدرة الفلسطينيين على بناء اقتصاد مستقل.
ويعكس استمرار هذه الأنشطة، رغم ابتعاد موعد الاقتراع، توجهاً نحو إعداد أعضاء القائمة لفهم الملفات العامة التي قد يواجهونها في العمل التشريعي والرقابي.
تحسين الحياة ثم الانفكاك الاقتصادي
يمكن قراءة التوجه الاقتصادي المحتمل لقائمة يقودها أو يدعمها بشار المصري من زاوية مختلفة عن الخطاب السياسي التقليدي.
فبدلاً من حصر النقاش في التسوية السياسية والاعترافات الدولية، قد تنطلق هذه المقاربة من سؤال مباشر: كيف يمكن تحسين حياة الفلسطيني تحت الاحتلال، وتعزيز قدرته على الصمود اقتصادياً واجتماعياً؟
وهنا تصبح الأولويات المحتملة أكثر ارتباطاً بخلق فرص العمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتحسين الخدمات، وتعزيز قدرة الشركات الفلسطينية على الاستمرار.
وفي مرحلة لاحقة، يمكن أن تشكل هذه الجهود جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليل التبعية الاقتصادية لإسرائيل، من خلال تطوير الإنتاج المحلي، وتنويع الأسواق، وتعزيز الروابط التجارية الخارجية.
كذلك، فإن تحسين مستوى المعيشة لا يعني تلقائياً تحقيق الانفكاك الاقتصادي. فالأخير يصطدم بقيود هيكلية تتعلق بالمعابر والموارد الطبيعية وحركة التجارة والسلطة على الأرض والسياسات المالية.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع اقتصادي انتخابي سيكون في قدرته على شرح كيف ينتقل من تحسين حياة الناس إلى تقليل التبعية، وما الأدوات التي يستطيع المجلس التشريعي استخدامها لتحقيق ذلك.
جيب المرشح أقوى من انتمائه الحزبي
امتلكت الأحزاب الفلسطينية تاريخياً شبكات تنظيمية واجتماعية واسعة، منحت مرشحيها القدرة على الحشد والتواصل والتعبئة.
لكن استمرار الانقسام وتعثر المشروع السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات يثير تساؤلات بشأن مدى احتفاظ هذه الشبكات بقوتها السابقة. وهنا تظهر الميزة المحتملة لرجل الأعمال.
فهو قد يمتلك موارد مالية تمكّنه من إدارة حملة واسعة، وشبكات علاقات مع العاملين والموردين والمؤسسات المحلية، وسجلاً اقتصادياً يمكن للناخب تقييمه. غير أن النفوذ الاقتصادي لا يتحول بصورة آلية إلى تأييد انتخابي.
فإدارة شركة ناجحة تختلف عن إدارة مؤسسة عامة، كما أن النجاح في تحقيق الأرباح لا يضمن القدرة على التشريع أو الرقابة أو بناء توافقات سياسية.
ولا يزال الانتماء الوطني والتنظيمي والعائلي والمحلي مؤثراً في المجتمع الفلسطيني، ولا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن الاعتبارات الاقتصادية أصبحت العامل الحاسم في اختيارات الناخبين.
ومع ذلك، فإن دخول شخصيات اقتصادية مستقلة قد يضيف معياراً جديداً إلى المنافسة: ليس فقط ماذا يقول المرشح عن المستقبل، بل ماذا أنجز في الماضي، وكيف سيستخدم خبرته لخدمة المجتمع؟
مراقبة الحكومة
قد تكون القيمة الأبرز لدخول رجال الأعمال والخبراء الاقتصاديين إلى المجلس التشريعي في تعزيز الرقابة على المال العام.
فالحكومة الفلسطينية تدير موارد والتزامات مالية كبيرة، حتى في ظل أزمة المقاصة والضغوط المتواصلة على الموازنة.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا ليس فقط أين تُنفق الأموال، بل لماذا تُنفق، وما النتائج التي تحققها، وما إذا كانت هناك بدائل أكثر كفاءة.
فالمجلس التشريعي يحتاج إلى رقابة متخصصة على الموازنة والدين العام والمشتريات الحكومية والاستثمارات والسياسات الضريبية. لكن هذه الرقابة لا ينبغي أن تختزل الدولة في منطق الربح والخسارة.
فالإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية قد يكون ضرورياً حتى عندما لا يحقق عائداً مالياً مباشراً.
ومن هنا، فإن إضافة الخبرة الاقتصادية إلى البرلمان لا تعني تحويل الحكومة إلى شركة، بل تحسين قدرتها على استخدام الموارد المحدودة لتحقيق نتائج عامة أفضل.
الاقتصاد وإنقاذ ما عجزت عنه السياسة
لا يستطيع رجل أعمال، مهما بلغت ثروته، إنهاء الاحتلال بقرار استثماري، ولا يستطيع البرلمان وحده تجاوز القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
كما أن الإخفاقات السياسية لا تجعل رجال الأعمال تلقائياً أكثر كفاءة أو نزاهة من السياسيين. لكن استمرار الأزمات المعيشية قد يمنح البرامج الاقتصادية مساحة أكبر في المنافسة الانتخابية المقبلة، خصوصاً إذا قدمت حلولاً قابلة للتنفيذ ضمن الصلاحيات والموارد المتاحة.
وهنا تكمن أهمية أي قائمة تضم خبرات اقتصادية ومهنية: قدرتها على تحويل الخبرة الخاصة إلى سياسات عامة، دون الخلط بين مصالح أصحاب الأعمال ومصالح المجتمع.
وبالنسبة إلى بشار المصري، فإن أي انتقال من دعم القوائم الانتخابية إلى قيادة مشروع سياسي اقتصادي سيضعه أمام اختبار يتجاوز نجاحاته الاستثمارية.
فالمطلوب سياسياً ليس إثبات القدرة على بناء مشروع اقتصادي ناجح فحسب، بل تقديم تصور لكيفية تحسين حياة الفلسطينيين، وتعزيز صمودهم، وتقليل اعتمادهم على اقتصاد الاحتلال، مع ضمان العدالة والمساءلة.