في الضفة الغربية، لا تبدأ قصة تهريب الوقود من محطة تعبئة تبيع البنزين أو السولار بسعر أقل من السوق، بل من خريطة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، قسمت الأرض إلى مناطق تتفاوت فيها صلاحيات السلطة الفلسطينية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على المعابر الخارجية وأجزاء واسعة من شبكة الطرق والأراضي.
هذه الجغرافيا تجعل مكافحة تهريب المحروقات تحدياً يتجاوز قدرات الرقابة الضريبية التقليدية، لأن الجهة التي تُطالب بتحصيل الضرائب وملاحقة المخالفات لا تمتلك السيطرة الميدانية الكاملة على جميع المسارات التي قد تتحرك عبرها الشحنات.
والنتيجة أن أي خلل في مطابقة كميات الوقود المستوردة مع الكميات المباعة والمصرّح عنها ضريبياً قد يتحول إلى خسائر مالية كبيرة، في قطاع تُقاس تجارته بمئات الملايين من اللترات، وتُحتسب الرسوم فيه على كل لتر.
لكن يجب التمييز منذ البداية بين ثلاثة أمور: تهريب وقود غير مصرّح عنه، والتهرب من الضرائب على وقود متداول، والاختلافات المحاسبية أو التجارية المشروعة. فليست كل شحنة تعبر منطقة «ج» مهربة، وليست كل فجوة في السجلات دليلاً على جريمة.
خريطة سياسية تصنع ثغرة اقتصادية
لفهم تهريب الوقود في الضفة الغربية، لا بد من العودة إلى تقسيماتها الإدارية والأمنية التي أرستها اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995.
فمناطق «أ» تضم المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية، وتتمتع فيها السلطة الفلسطينية بصلاحيات مدنية وأمنية داخلية، وإن كانت العمليات الإسرائيلية داخلها تحد عملياً من قدرتها على فرض سيطرة حصرية.
أما مناطق «ب»، فتتولى السلطة الفلسطينية فيها المسؤوليات المدنية، بينما تحتفظ إسرائيل بصلاحيات أمنية واسعة.
وفي مناطق «ج»، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والإدارية الأساسية، بما يشمل صلاحيات واسعة تتعلق بالأرض والبناء والحركة.
هذا التقسيم، الذي كان يفترض أن يكون مؤقتاً، تحول إلى واقع دائم ينعكس مباشرة على قدرة الأجهزة الفلسطينية على مكافحة الجرائم الاقتصادية.
فالشاحنة التي تتحرك بين مدينتين فلسطينيتين قد تمر بمناطق تختلف فيها صلاحيات التفتيش والضبط، في حين لا تمتلك الأجهزة الفلسطينية حرية العمل الأمني نفسها على طول الطريق.
وهنا تكمن المشكلة: السوق الفلسطينية متصلة اقتصادياً، لكنها مجزأة من حيث السيطرة الأمنية والرقابية.
ولا يعني ذلك أن مناطق «ج» كلها ممرات تهريب، بل إن غياب السيطرة الفلسطينية المتكاملة عليها يخلق تحديات فعلية أمام التتبع والملاحقة وتبادل المعلومات.
كيف يدخل الوقود النظامي إلى السوق؟
تخضع تجارة الوقود الفلسطينية لترتيبات اقتصادية نشأت بموجب بروتوكول باريس، الذي ربط جوانب رئيسية من الاستيراد والضرائب والجمارك بالنظام الإسرائيلي.
وفي الإطار النظامي، يمكن تبسيط سلسلة تداول المحروقات على النحو التالي:
- المورّد ومصدر الوقود
- تحديد الكميات والجهة الموردة وشروط البيع
- الاستيراد والتوريد الرسمي
- مستندات الشراء والتسليم والتسوية الضريبية ذات الصلة
- التخزين والتوزيع
- الصهاريج والمستودعات وحركة الكميات
- محطات الوقود والمستهلكون
- المبيعات والفواتير والمخزون الختامي
في كل مرحلة، يفترض أن توجد مستندات تسمح بمطابقة الكميات المشتراة مع الكميات المستلمة والمخزنة والمباعة، بعد احتساب الفاقد الفني المشروع.
لكن منظومة الرقابة لا تعتمد على جهة واحدة؛ فهناك مسؤوليات موزعة بين وزارة المالية وهيئة البترول والضابطة الجمركية والجهات المختصة بالمواصفات والسلامة.
كما أن جزءاً مهماً من الإيرادات الضريبية الفلسطينية مرتبط بنظام المقاصة مع إسرائيل، ما يجعل دقة البيانات وتبادلها عنصراً حاسماً في حماية الإيرادات.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2023 إلى استمرار مشكلات التسرب المالي المرتبطة بالترتيبات الاقتصادية مع إسرائيل، وإلى أهمية الربط بين قواعد البيانات وتطوير الفحص الآلي للمعاملات.
أين يظهر تهريب الوقود؟
يمكن تصنيف المخاطر التي تواجه سوق المحروقات إلى ثلاثة أنماط اقتصادية ورقابية رئيسية.
الأول: وقود يدخل السوق خارج القنوات المصرح بها: وهو الوقود الذي يجري تداوله دون استيفاء المستندات والمتطلبات القانونية اللازمة.
وقد يرتبط مصدره بتجارة غير نظامية عبر السوق الإسرائيلية أو مناطق يصعب فيها تطبيق الرقابة الفلسطينية بصورة متواصلة.
الثاني: وقود متداول مع مخالفات في التصريح أو الفوترة: هنا لا تكمن المشكلة بالضرورة في أصل الوقود، وإنما في صحة البيانات المالية والكميات المصرح عنها، ومدى توافقها مع السجلات الضريبية والمبيعات الفعلية.
الثالث: مخالفات التخزين والتوزيع والتلاعب بالسوق: وهي تشمل صوراً مختلفة، مثل احتجاز كميات بغرض المضاربة السعرية، أو مخالفة متطلبات التخزين والتوزيع. وهذه ليست كلها جرائم تهريب أو تهرب ضريبي، بل مخالفات ينبغي تصنيفها بحسب طبيعتها.
وفي يوليو 2026، أعلنت الضابطة الجمركية والمؤسسة الأمنية الفلسطينية تكثيف الرقابة على محطات الوقود عقب العثور على كميات مخزنة في بعض المحطات، قالت السلطات إنها كانت محجوبة عن السوق تمهيداً لبيعها وفق تسعيرة الشهر التالي.
هل تهريب الوقود ظاهرة؟
الوقائع الرسمية تؤكد وجود حالات ضبط لوقود مهرب في الضفة الغربية، وإن كانت البيانات المتاحة لا تكفي لتحديد الحجم الإجمالي للظاهرة.
ففي 20 مارس 2026، أعلن جهاز الضابطة الجمركية ضبط مركبة تحمل 3,300 لتر من السولار المهرب شمال غرب القدس، بالتعاون مع الأمن الوقائي والشرطة، والتحفظ على الكمية لاستكمال الإجراءات القانونية.
وتكشف هذه الواقعة أن تهريب الوقود ليس مجرد احتمال نظري، لكنها لا تسمح وحدها باستنتاج نسبة الوقود المهرب من إجمالي استهلاك الضفة.
وتعود جذور المشكلة إلى سنوات سابقة. فقد تناول معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس» في ورقة نقاشية عام 2018 انتشار تهريب المحروقات، وربطه بخسائر الخزينة واختلال المنافسة بين التجار.
وأشار المعهد إلى تسجيل 5,672 قضية ضبط جمركي وضريبي عام 2017، مقابل 5,348 قضية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2018. وهذه الأرقام تشمل أنواعاً متعددة من المخالفات والسلع، وليست جميعها قضايا تهريب وقود.
كم يمكن أن تخسر الخزينة؟
تكمن خطورة الوقود غير المصرح عنه في أن الكميات الكبيرة تجعل أي فاقد ضريبي لكل لتر مؤثراً عند احتساب الإجمالي.
ولتوضيح حساسية الإيرادات، أجرت «المنقبون» محاكاة حسابية لحجم افتراضي من الوقود غير الخاضع للتحصيل الضريبي الكامل:
10 ملايين لتر شهرياً والإيراد الضريبي المفترض لكل لتر 2.0 شيكل، والخسارة الافتراضية إذا لم تُحصّل هذه الإيرادات 20 مليون شيكل شهرياً، أي 240 مليون شيكل سنوياً.
لكن لا يمكن تحويل هذه المعادلة إلى تقدير فعلي لخسائر الخزينة دون معرفة نوع الوقود، والرسوم المستحقة عليه، والكميات غير المصرح عنها، وما إذا كانت بعض الضرائب قد سُددت بالفعل في مرحلة سابقة.
ما علاقة ذلك بقضية طارق النتشة؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية في ضوء القضية الجارية المتعلقة برجل الأعمال طارق النتشة ومجموعة الهدى للمحروقات.
فالقضية، وفق المعلومات المنشورة عن جلسات التحقيق، تتضمن مطالبات مالية وشبهات ضريبية وجمركية، بينما يتمسك الدفاع بعدم ثبوت الاتهامات وبأن الضمانات المقدمة لا تمثل اعترافاً بالمبالغ المدعى بها.
لكن وجود ظاهرة تهريب وقود موثقة في الضفة الغربية لا يعني أن مجموعة الهدى أو طارق النتشة متورطان فيها، ولا يثبت أن المطالبات المالية موضوع القضية نتجت عن تهريب المحروقات.