لم يكن اسم طارق النتشة بعيداً عن سوق المحروقات الفلسطينية طوال السنوات الماضية. فمن خلال مجموعة الهدى، بنى رجل الأعمال حضوراً تجارياً واسعاً في أحد أكثر القطاعات حساسية للاقتصاد الفلسطيني.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحول اسمه من واجهة تجارة الوقود في السوق الفلسطينية، إلى عنوان لقضية تشغل الأوساط الاقتصادية والقضائية.
الرجل الذي ارتبط اسمه بشبكة من محطات الوقود وشركات الاستثمار والعقارات والسيارات، بات موقوفاً على ذمة تحقيقات تتعلق بمطالبات مالية وشبهات ضريبية وجمركية، بينما يؤكد فريق دفاعه عدم ثبوت الاتهامات ويتمسك بسلامة موقف موكله القانوني.
وفي 7 أكتوبر 2026، قررت محكمة صلح رام الله تمديد توقيفه 15 يوماً إضافية للمرة الثانية على التوالي، رغم تقديم هيئة الدفاع عرض تسوية ودفعة تحت الحساب بقيمة 30 مليون شيكل.
من هو طارق النتشة؟
اسمه الكامل طارق أحمد عبد الهادي بدران، المعروف تجارياً باسم طارق النتشة، وهو رجل أعمال فلسطيني برز في قطاع استيراد المحروقات وتوزيعها في الضفة الغربية.
تعود بدايات مجموعة الهدى للمحروقات المرتبطة باسمه إلى عام 1998، وفق معلومات منشورة عن نشاط المجموعة عبر موقعها الإلكتروني، ما يعني أن حضورها في السوق يمتد لنحو 28 عاماً.
وخلال هذه الفترة، توسع النشاط من تجارة الوقود إلى شبكة من محطات المحروقات، إلى جانب أنشطة تجارية واستثمارية أخرى.
وبحسب تقرير سابق لموقع «الترا فلسطين»، يمتلك النتشة أو يشارك في إدارة 28 محطة وقود في مدن الضفة الغربية، وله شراكات في منشآت لتخزين الوقود. كما تحصل مجموعة الهدى على عقود لتزويد مركبات حكومية وأمنية بالمحروقات.
ماذا يملك؟
تكشف وثائق الحجز التحفظي الصادرة عن النيابة العامة في أغسطس 2026، عن شبكة واسعة من الأسماء التجارية المرتبطة بالنتشة وشقيقيه مازن وباسم.
فقرار الحجز الصادر عن محكمة بداية أريحا بتاريخ 11 أغسطس لم يقتصر على شخص النتشة، بل شمل شقيقيه وعدداً من الشركات العاملة في قطاعات مختلفة.
وتضمنت قائمة الشركات المشمولة بالقرار:
- قطاع المحروقات: شركة الهدى للمحروقات، وشركة الهدى نابلس للمحروقات، وشركة الهدى والقيسي للمحروقات، وشركة الخالد للمحروقات.
- قطاع السيارات: شركة الهدى موتورز الذهبية للمركبات، وشركة معاوية شكوكاني لاستيراد وتجارة السيارات.
- الاستثمارات والعقارات: شركة الجزر للاستثمار، وشركة البحار لاستثمار العقارات.
- المطاعم: شركة مطاعم الريف.
وتكشف هذه القائمة أن الأنشطة التجارية المرتبطة بالقضية لا تقتصر على الوقود، بل تمتد إلى قطاعات استهلاكية وعقارية واستثمارية.
كيف بدأت القضية؟
بدأ التصعيد في منتصف يوليو 2026، عندما نفذت الأجهزة الأمنية الفلسطينية والضابطة الجمركية عمليات تفتيش ومداهمة طالت عدداً من محطات الوقود المرتبطة بمجموعة الهدى في الضفة الغربية.
وشملت الإجراءات، مصادرة ملفات وكاميرات مراقبة وكميات من المحروقات، إلى جانب التحقيق مع عدد من العاملين في المحطات.
وتزامنت هذه التطورات مع أزمة وقود شهدتها الضفة الغربية، حيث اصطفت المركبات أمام محطات التعبئة، وسط تساؤلات بشأن حجم تأثير الإجراءات على إمدادات السوق.
وفي أغسطس، اتخذ الملف منحى أكثر جدية مع صدور مذكرة بحق النتشة وقرار بالحجز التحفظي على عقارات مرتبطة به وبشقيقيه وعدد من الشركات.
وبحسب الوثائق المنشورة، فإن الحجز التحفظي صدر عن محكمة بداية أريحا في 11 أغسطس 2026، ضمن الملف رقم 7/2026، بناءً على طلب النيابة العامة.
مليار شيكل
دخل الملف مرحلة جديدة بعدما نقلت وكالة «وطن» عن مصادر خاصة أن مراجعة مالية شملت حسابات مرتبطة بالقضية منذ عام 2020 انتهت إلى مطالبات لصالح الخزينة العامة تقترب من مليار شيكل.
وبحسب تلك المصادر، بلغت القيمة التي خلصت إليها المراجعة 1,003,875,178 شيكلاً.
لكن هذا الرقم يمثل مطالبات مالية أوردتها الوكالة نقلاً عن مصادرها، وليس مبلغاً ثبت بحكم قضائي نهائي أنه مستحق على النتشة شخصياً.
وفي 9 سبتمبر، حضر النتشة إلى مقر النيابة العامة في رام الله، حيث خضع للتحقيق، قبل أن تبدأ مرحلة توقيفه على ذمة القضية.
وأكد المستشار القانوني العام لمجموعة شركات الهدى، المحامي مالك العوري في بيان سابق، أن النتشة حضر بعد تبليغ فريق دفاعه رسمياً، وأن المجموعة تعاونت مع الجهات المختصة وقدمت ما طُلب منها من سجلات وكشوفات.
وشدد البيان على أن التحقيق لا يؤثر في قدرة المجموعة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المتعاملين معها، معتبراً أن القضية ذات طبيعة مالية قابلة للتسوية وفق موقف الدفاع.
وفي 24 سبتمبر، قررت محكمة صلح رام الله تمديد توقيفه 15 يوماً، قبل أن تصدر قراراً جديداً بالتمديد في 7 أكتوبر.
30 مليون شيكل على طاولة المحكمة
في آخر جلسات القضية، كشفت هيئة الدفاع عن تقديم تسوية ودفعة تحت الحساب بقيمة 30 مليون شيكل باسم شركة الهدى للمحروقات.
وقال المحامي جواد عبيدات إن الأموال والممتلكات الخاضعة للحجز التحفظي تتجاوز قيمة المبالغ المدعى بها، مؤكداً أن تقديم الدفعة والضمانات لا يشكل اعترافاً بصحة المطالبات.
وأضاف أن التحقيقات استمرت أكثر من 90 يوماً، وشملت الاستماع إلى عشرات الأشخاص وفحص مستندات وسجلات رسمية، معتبراً أن استمرار التوقيف لم يعد مبرراً.
كم تبلغ ثروته؟
رغم اتساع الأنشطة التجارية المرتبطة باسمه، لا تتوافر بيانات مالية منشورة وموثوقة تسمح بتحديد صافي ثروة طارق النتشة أو القيمة السوقية الإجمالية لاستثماراته.
فالحديث عن 28 محطة وقود وشركات متعددة لا يكفي لتقدير الثروة الشخصية؛ إذ يتطلب ذلك معرفة نسب ملكيته الفعلية، وقيمة الأصول، والديون والالتزامات، وحقوق الشركاء.
كذلك، فإن الحجز التحفظي على عقارات وشركات لا يعني انتقال ملكيتها إلى الدولة، ولا يثبت بذاته وجود مخالفة.
القضية الأكبر
تتجاوز قضية النتشة حدود الخلاف القضائي بشأن مستحقات مالية، لتطرح أسئلة اقتصادية عن قطاع المحروقات الفلسطيني، الذي يعتمد على ترتيبات استيراد وتوزيع وتسعير شديدة الحساسية.
فوجود مجموعات تجارية كبيرة تدير شبكات واسعة من المحطات، إلى جانب ارتباطها بتوريد الوقود لجهات عامة، يجعل أي اضطراب في نشاطها ذا تأثير محتمل على الإمدادات والمنافسة والسيولة.
وترى المنقبون أن القضية تفتح نقاشاً حول فعالية الرقابة على حركة المحروقات، وآليات المطابقة الضريبية والجمركية، وحوكمة العقود التجارية المرتبطة بالقطاع العام.