لم يكن المبلغ كبيراً مقارنة بحجم احتياطيات النقد الأجنبي التي تتجاوز 238 مليار دولار. لكن عملية شراء بنك إسرائيل 801 مليون دولار من السوق خلال مايو 2026 أثارت جدلاً يفوق بكثير حجم التدخل نفسه.
فما كان يُفترض أن يكون إجراءً فنياً محدوداً للحفاظ على انتظام سوق الصرف، تحول إلى نقاش واسع حول شفافية البنك المركزي، وأهدافه الحقيقية، ومستقبل الشيكل.
ما الذي حدث؟
كشف بنك إسرائيل في تقريره الدوري لشهر مايو والمنشور على موقعه الإلكتروني أنه اشترى 801 مليون دولار من سوق الصرف الأجنبي.
الإعلان جاء ضمن تقرير احتياطيات النقد الأجنبي الاعتيادي، دون بيان خاص أو شرح مسبق؛ لكن السوق لم تتعامل مع العملية باعتبارها إجراءً روتينياً.
إذا كان البنك لا يتدخل، فلماذا اشترى الدولار؟ البنك يقول إن ما جرى هو خلل فني، ولم يكن الهدف إضعاف الشيكل أو دعم المصدرين أو تغيير اتجاه السوق.
فبعد أسابيع من تأكيد البنك المركزي أنه لا يتدخل في سوق العملات إلا في حالات استثنائية للغاية، فوجئ المتعاملون بوجود عملية شراء فعلية للدولار.
وهنا بدأ السؤال: إذا كان البنك لا يتدخل، فلماذا اشترى الدولار؟ البنك يقول إن ما جرى هو خلل فني، ولم يكن الهدف إضعاف الشيكل أو دعم المصدرين أو تغيير اتجاه السوق.
البنك يقول وفق ما أورد موقع كالكاليست، إن أنظمة المراقبة الخاصة به رصدت تشوهاً في ظروف التداول وسيولة السوق، ما استدعى تدخلاً محدوداً لضمان "الأداء المنتظم للسوق".
وبحسب رواية البنك، فإن العملية كانت تقنية بحتة وانتهت بمجرد عودة ظروف التداول إلى طبيعتها؛ لكن المشكلة لم تكن في التدخل نفسه؛ المشكلة كانت في طريقة الإعلان عنه.
وفي عالم البنوك المركزية، لا تُدار السياسة النقدية بالأدوات فقط بل تُدار أيضاً بالتوقعات؛ والتوقعات تُبنى عبر التواصل الواضح مع الأسواق.
وعندما يتدخل بنك مركزي في سوق الصرف ثم ينتظر أسابيع قبل توضيح الأسباب، فإنه يترك فراغاً معلوماتياً ضخماً وهذا ما حدث تماماً.
خلال أيام قليلة امتلأ الفراغ بالتكهنات؛ البعض رأى أن البنك استجاب لضغوط المصدرين الإسرائيليين الذين اشتكوا من قوة الشيكل.
بينما آخرون اعتبروا أن المحافظ قلق من الأثر السلبي للعملة القوية على الاقتصاد؛ وفريق ثالث رأى أن البنك يحاول سراً إضعاف الشيكل دون الاعتراف بذلك.
الخطأ الحقيقي
الخطأ الذي ارتكبه بنك إسرائيل لم يكن شراء الدولار؛ بل تأخير شرح عملية الشراء. فلو أصدر البنك بياناً مقتضباً فور انتهاء العملية يوضح فيه أنه رصد تشوهاً مؤقتاً في ظروف السوق وأن التدخل كان فنياً ومحدوداً، لربما انتهت القصة خلال ساعات.
لكن الإعلان المتأخر جعل التدخل يبدو وكأنه اكتشاف عرضي. وفي أسواق المال، الشفافية المتأخرة كثيراً ما تُفسر على أنها نقص في الشفافية.
والمفارقة أن بنك إسرائيل لا يبدو منزعجاً من قوة الشيكل بالقدر الذي يعتقده كثيرون؛ فالعملة الإسرائيلية ارتفعت بأكثر من 25% منذ ربيع 2025، مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية:
* تراجع المخاطر الجيوسياسية مقارنة بالفترات السابقة.
* الأداء القوي للأسهم الأميركية والتدفقات المرتبطة بها.
* ضعف الدولار عالمياً أمام معظم العملات الرئيسية.
ومن وجهة نظر البنك المركزي، فإن الشيكل القوي يساعد في كبح التضخم؛ فكل ارتفاع في قيمة العملة يقلص تكلفة الواردات ويخفف الضغوط السعرية داخل الاقتصاد؛ وهذا يمنح البنك مساحة أكبر لخفض أسعار الفائدة مستقبلاً.
لذلك فإن شراء 801 مليون دولار لا يبدو كجزء من سياسة منهجية لإضعاف الشيكل، خصوصاً أن المبلغ صغير نسبياً مقارنة بحجم السوق والاحتياطيات.