محدث | الأردن يراهن بـ5.8 مليار دولار على ”صناعة الماء“

١٢٣٤٥٦.jpg
المنقبون - The Miners

في بلد يُصنف ضمن الأكثر فقراً بالمياه عالمياً، لم يعد التعامل مع الأزمة خياراً تقنياً أو مرحلياً، بل تحول إلى قرار سيادي طويل الأمد.

من هنا، يأتي مشروع الناقل الوطني للمياه في الأردن، ليس كمجرد بنية تحتية، بل كأكبر رهان اقتصادي وبيئي في تاريخ المملكة.

بكلفة تصل إلى 5.8 مليار دولار، يسعى الأردن إلى إعادة صياغة معادلة الأمن المائي عبر مشروع يقوم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى الداخل، بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنوياً وهو رقم يعادل تقريباً إجمالي الطاقة التخزينية لسدود المملكة.

هذا الرقم وحده يعكس حجم التحول بأن الأردن لم يعد يدير الندرة بل يحاول تصنيع الحل

تحرك بتوقيت حرج

المملكة تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها المائية نتيجة النمو السكاني، وتداعيات اللجوء، وتغير المناخ، واستنزاف المياه الجوفية. 

وفي ظل هذا الواقع، لم تعد السياسات التقليدية كافية، ما دفع الحكومة إلى تبني خيار أكثر تكلفة، لكنه أكثر استدامة: إنتاج المياه بدلاً من البحث عنها.

اللافت أن المشروع لم يُبنى فقط على أساس محلي، بل على شبكة تمويل دولية واسعة، تضم 29 جهة تمويل، ما يعكس إدراكاً دولياً بأن أزمة المياه في الأردن تتجاوز حدودها الجغرافية، وترتبط بشكل مباشر بالاستقرار الاقتصادي والإقليمي.

لكن هذا الحجم من التمويل يأتي بثمن آخر: تعقيد في التنفيذ وضغط لضمان الكفاءة، والتزام طويل الأمد بإدارة مشروع يمتد لعقود.

ومن المتوقع أن يبدأ ضخ المياه في عام 2030، بينما تنتقل ملكية المشروع بالكامل إلى الحكومة الأردنية في 2056، ما يعني أن المشروع ليس مجرد حل مرحلي، بل أصل استراتيجي للأجيال القادمة.

رغم ذلك، فإن التحديات لا تقل عن الطموحات، لأن تحلية المياه عملية مكلفة، وتعتمد بشكل كبير على الطاقة، في وقت لا يزال فيه الأردن مستورداً رئيسياً لها. وهذا يضع المشروع أمام معادلة حساسة: كلما ارتفعت تكلفة الطاقة… ارتفعت تكلفة المياه.

إلى جانب ذلك، فإن نقل المياه عبر مئات الكيلومترات داخل المملكة يتطلب بنية تحتية معقدة، ما يزيد من مخاطر التنفيذ والتشغيل، ويجعل الكفاءة عاملاً حاسماً في نجاح المشروع.

لكن بدون هذا المشروع، ستتسع الفجوة المائية بشكل أكبر، ما قد ينعكس على الزراعة، والصناعة، وحتى الاستقرار الاجتماعي.

بمعنى آخر، المشروع لا يهدف فقط إلى توفير المياه، بل إلى تجنب أزمة اقتصادية أعمق في المستقبل.

في هذا السياق، يمكن قراءة الناقل الوطني كتحول في فلسفة إدارة الموارد: من الاعتماد على الطبيعة إلى الاستثمار في التكنولوجيا ومن إدارة الأزمة إلى محاولة السيطرة عليها.