مع اشتداد الحرب في الشرق الأوسط وتراجع تدفقات النفط من الخليج، لجأت الحكومات الكبرى إلى أحد أكثر أدوات الطوارئ حساسية في سوق الطاقة العالمية: الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية.
واتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على ضخ نحو 400 مليون برميل من النفط في الأسواق في محاولة لاحتواء القفزة الحادة في الأسعار التي أعقبت تعطل الصادرات عبر الخليج.
الخطوة تمثل أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخ الوكالة، وهي تعكس حجم القلق الذي يسيطر على الأسواق العالمية مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في منطقة توفر نحو ثلث الإمدادات النفطية للعالم.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يواجه المتداولين وصناع السياسات على حد سواء هو ما إذا كان هذا التدخل كافياً فعلاً لتعويض النقص في الإمدادات، أم أنه مجرد مسكن مؤقت أمام أزمة طاقة أعمق.
الخطوة تمثل أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخ الوكالة، وهي تعكس حجم القلق الذي يسيطر على الأسواق العالمية مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في منطقة توفر نحو ثلث الإمدادات النفطية للعالم.
في قلب هذه الاستراتيجية يقف الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، الذي أُنشئ في سبعينيات القرن الماضي بعد صدمة النفط الكبرى ليكون شبكة أمان ضد اضطرابات الإمدادات.
ويعد هذا الاحتياطي ضمن الأكبر من نوعه في العالم بين الدول الصناعية، إذ يمتلك القدرة على تخزين أكثر من 700 مليون برميل في كهوف ضخمة تحت الأرض على ساحل خليج المكسيك.
إلا أن المخزون الفعلي حالياً يبلغ نحو 415 مليون برميل فقط، أي أقل بكثير من طاقته القصوى بعد عمليات السحب القياسية التي جرت عقب الحرب الروسية على أوكرانيا.
السؤال الذي يواجه المتداولين وصناع السياسات على حد سواء هو ما إذا كان هذا التدخل كافياً فعلاً لتعويض النقص في الإمدادات، أم أنه مجرد مسكن مؤقت أمام أزمة طاقة أعمق.
لكن حتى مع ضخ النفط من الاحتياطيات الأميركية ومن مخزونات الدول الصناعية الأخرى، فإن قدرة هذه الآلية على تعويض النقص تبدو محدودة.
فالتقديرات تشير إلى أن الحرب الحالية قد تعطل ما بين 11 إلى 16 مليون برميل يومياً من الإمدادات القادمة من الخليج، وهو رقم يتجاوز بكثير قدرة الاحتياطيات على التعويض المستمر.
على الورق، يستطيع الاحتياطي الأميركي ضخ ما يصل إلى 4.4 ملايين برميل يومياً في السوق. غير أن التقديرات العملية تشير إلى أن الكميات القابلة للإطلاق قد تكون أقل بكثير، ربما بين 1.4 و2.1 مليون برميل يومياً فقط.
وحتى في ذروة عمليات السحب التي جرت عام 2022 لم تتجاوز التدفقات الفعلية نحو 1.1 مليون برميل يومياً.
على الورق، يستطيع الاحتياطي الأميركي ضخ ما يصل إلى 4.4 ملايين برميل يومياً في السوق. غير أن التقديرات العملية تشير إلى أن الكميات القابلة للإطلاق قد تكون أقل بكثير، ربما بين 1.4 و2.1 مليون برميل يومياً فقط.
هذا الفارق بين حجم النقص المحتمل في الإمدادات وقدرة الاحتياطيات على التعويض يفسر تشكك العديد من المتداولين في قدرة هذه الخطوة على تهدئة السوق لفترة طويلة.
فالاحتياطيات مصممة أساساً لمعالجة اضطرابات مؤقتة في الإمدادات، وليس لتعويض نقص هيكلي واسع النطاق إذا استمر الصراع لفترة طويلة.
ويضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم داخل الولايات المتحدة. فالرئيس دونالد ترمب أبدى في البداية تحفظاً على استخدام الاحتياطي الاستراتيجي، معتبراً أن ارتفاع أسعار النفط قد يكون مؤقتاً وأن الإنتاج الأميركي المرتفع يوفر نوعاً من الحماية للسوق.
كما أن الإدارة الأميركية كانت قد تعهدت سابقاً بإعادة ملء الاحتياطي بعد عمليات السحب الكبيرة التي تمت في عهد الإدارة السابقة، ما جعل إطلاق كميات إضافية قراراً سياسياً حساساً.
إلى جانب الاعتبارات السياسية، هناك أيضاً قيود تقنية ولوجستية. فالمخزون الاستراتيجي ليس مصمماً ليتم ملؤه وسحبه في الوقت نفسه، كما أن بعض منشآته تخضع حالياً لأعمال صيانة بعد الاستخدام المكثف في السنوات الأخيرة. وهذا يعني أن أي عملية سحب واسعة قد تؤخر خطط إعادة بناء الاحتياطي.
في المقابل، لا يقتصر احتياطي النفط العالمي على الدول الصناعية. فقد بنت الصين خلال السنوات الأخيرة مخزونات ضخمة تقدر بنحو 1.4 مليار برميل، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.
لكن هذه المخزونات تبقى أداة سيادية تستخدمها بكين وفق حساباتها الخاصة، وليست جزءاً من آلية التنسيق التي تديرها وكالة الطاقة الدولية.
تاريخياً، استخدمت الاحتياطيات الاستراتيجية في عدد محدود من الأزمات الكبرى، مثل حرب الخليج عام 1991، والأعاصير التي ضربت الولايات المتحدة في 2005، والحرب الأهلية في ليبيا عام 2011، وأخيراً الاضطرابات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا عام 2022.
في كل هذه الحالات، كان الهدف هو تهدئة الأسواق مؤقتاً حتى تستعيد الإمدادات توازنها.
لكن الأزمة الحالية قد تكون مختلفة. فإذا استمر الصراع وتعطل تدفق النفط من الخليج لفترة طويلة، فإن الاحتياطيات قد تجد نفسها في مواجهة معادلة صعبة: مخزون محدود في مواجهة نقص قد يكون غير محدود زمنياً.