تحليل | مؤتمر أمان.. الجميع تجنب الحديث عن «الفيل في الغرفة»

792882497_1533199378846740_1278853415313913528_n.jpg
المنقبون - The Miners

في رام الله، اجتمع الأسبوع الماضي ممثلون عن الحكومة وخبراء اقتصاديون ومؤسسات مجتمع مدني حول طاولة واحدة، وكان السؤال الكبير هو نفسه الذي يطارد المالية العامة الفلسطينية منذ سنوات: كيف يمكن تقليص إنفاق حكومة تتراجع قدرتها على تمويل نفسها، من دون أن تتراجع معها الخدمات التي تقدمها؟

النقاش الذي نظمه الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة، المنبثق عن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة «أمان»، لم يكن نقاشاً تقليدياً حول أرقام الموازنة، بقدر ما تحول إلى تشريح لبنية الجهاز الحكومي نفسه. 

على الطاولة حضرت فاتورة الرواتب، والعلاوات والبدلات، والتوظيف بالعقود، والنفقات التشغيلية، وازدواجية بعض المؤسسات، وحتى فكرة دمج وزارات وهيئات وإعادة توزيع الموظفين بين المؤسسات. وبرز توافق على أن الأزمة تجاوزت حدود التقشف، وأنها تحتاج إلى إصلاح هيكلي وإداري أعمق. 

لكن وسط كل المقترحات التي ناقشت كيف تنفق الحكومة أقل، بقي سؤال أكثر حساسية من غيره من دون طرح مباشر: هل يمكن فعلاً خفض فاتورة الرواتب من دون خفض عدد الموظفين أنفسهم؟

فإذا كانت المراجعة الوظيفية ستكشف عن موظفين فائضين، وإذا كان دمج المؤسسات سيُلغي وظائف متكررة، وإذا كان الجهاز الحكومي أكبر من قدرة الخزينة على تمويله، فإن النقاش يصل في النهاية إلى خيار سياسي واجتماعي شديد الحساسية: التقاعد المبكر الإلزامي. 

والمفارقة أن الفريق الأهلي نفسه سبق أن أوصى بإقرار قانون للتقاعد المبكر لمعالجة تضخم فاتورة الرواتب، بل ناقش في 2025 الأثر المالي لإحالة نحو 1,000 ضابط إلى التقاعد المبكر. 

وهنا يبدأ السؤال الذي تريد «المنقبون» اختباره: هل التقاعد المبكر هو الفيل الذي يدور حوله نقاش إصلاح الوظيفة العمومية الفلسطينية من دون أن يسميه أحد صراحة؟

وهذه ليست فكرة نظرية؛ قبل سنوات وُضع بالفعل تصور لتقليص عدد الموظفين المثبتين من نحو 147 ألفاً إلى قرابة 110 آلاف قبل أن يتعثر؛ واليوم، يتجاوز عدد الموظفين العموميين عند إضافة العاملين بعقود 180 ألفاً.

المشكلة أكبر من بدل مواصلات

التركيز على بدل المواصلات والعلاوات والنثريات مهم عندما تبحث الحكومة عن كل شيكل يمكن توفيره. لكن هذه البنود تظل في النهاية أطراف المشكلة وليست مركزها؛ فالمشكلة الهيكلية هي حجم الجهاز العام نفسه.

يتجاوز عدد العاملين العموميين، عند احتساب الموظفين المثبتين والعاملين بعقود، 180 ألف موظف وفق المعطيات الرسمية لدى وزارة المالية.

بينما دع حضور على الطاولة المستديرة، إلى خطة طويلة الأجل لخفض حصة الرواتب والأجور إلى ما بين 30% و40% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مقارنة مع 55٪ حالياً.

وهذا يعني أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية دفع أجور أقل للعدد الحالي من الموظفين، وإنما بالسؤال الأصعب: هل تستطيع السلطة الفلسطينية أصلاً الاستمرار بهذا الحجم من الجهاز الحكومي؟

في عهد وزير المالية السابق شكري بشارة، كان هناك توجه لخفض أعداد الموظفين العموميين بنحو 30 ألف موظف عبر التقاعد المبكر. 

وكانت الأرقام حينها تدور حول أكثر من 147 ألف موظف مدني وعسكري، لكن المشروع تعثر ولم يتحول إلى تخفيض فعلي بهذا الحجم. وكانت منصة «المنقبون» قد وثقت سابقاً هذا التوجه وتعثر تنفيذه.

ولو أعيد اليوم إحياء فكرة خفض العدد من نحو 147 ألفاً إلى قرابة 110 آلاف موظف مثبت، فإننا نتحدث عن إعادة تشكيل جذرية للقطاع العام، وليس مجرد برنامج تقشف.

التقاعد المبكر لا يمحو الموظف من الميزانية

هنا تبدأ العقدة التي تجعل الحديث عن التقاعد المبكر أسهل بكثير من تنفيذه.

محاسبياً، عندما يتقاعد موظف مبكراً، تنخفض فاتورة الرواتب لدى الحكومة. لكن اقتصادياً، لا تختفي كلفته بالكامل؛ إذ ينتقل جزء من الالتزام إلى نظام التقاعد.

في الظروف الطبيعية يمكن لهذا التحول أن يكون جزءاً من إعادة هيكلة ناجحة، خصوصاً إذا كان صندوق التقاعد ممولاً جيداً، وكانت الاشتراكات والتحويلات الحكومية منتظمة، وكان الموظفون المستهدفون قريبين أصلاً من سن التقاعد. لكن الحالة الفلسطينية مختلفة جذرياً.

وزير المالية والتخطيط أسطفان سلامة قال أخيراً إن إجمالي ديون الحكومة والتزاماتها وصل إلى نحو 17.4 مليار دولار، وإن 51% منها يرتبط بمستحقات موظفي القطاع العام وصندوق التقاعد. 

وهذا يعني أن أكثر من نصف الالتزامات الحكومية ليست ديوناً مصرفية تقليدية، وإنما التزامات مؤجلة تجاه موظفي الحكومة ونظامهم التقاعدي.

وهذا يفسر لماذا يصبح طرح التقاعد المبكر الإلزامي أكثر تعقيداً مما يبدو. فالحكومة قد توفر راتب موظف اليوم، لكنها في المقابل تخلق أو تعجل استحقاقاً تقاعدياً غداً.

الحكومة مدينة أصلاً لمن تريد إحالة موظفيها إليها

وهذه ربما المفارقة الأكثر قسوة في الملف كله. هيئة التقاعد الفلسطينية ليست مجرد مؤسسة يفترض أن تستقبل عشرات آلاف المتقاعدين المحتملين، بل هي في الوقت نفسه دائن رئيسي للحكومة نتيجة تراكم الالتزامات والتحويلات غير المسددة.

وتشير المعطيات التي حصلت عليها «المنقبون» إلى أن مستحقات الهيئة على الحكومة تتجاوز 4.8 مليارات دولار، ما يجعلها أكبر دائن منفرد للحكومة الفلسطينية، من إجمالي التزامات تقدر بنحو 17.4 مليار دولار.

وبالتالي فإن أي برنامج تقاعد مبكر واسع لا يمكن تقييمه فقط من زاوية: كم موظفاً سيخرج من كشف الرواتب؟

التقاعد المبكر قد يوفر المال.. لكن ليس بأي صيغة

هذا لا يعني أن التقاعد المبكر فكرة خاطئة بالضرورة. على العكس، يمكن لبرنامج مصمم بعناية أن يخفض الكلفة طويلة الأجل للجهاز الحكومي، خصوصاً إذا استهدف الوظائف الزائدة والتداخل الوظيفي والموظفين القريبين من سن التقاعد، وترافق مع وقف إحلال موظفين جدد مكان الخارجين

لكن نجاحه يحتاج إلى حساب مختلف تماماً عن مجرد ضرب عدد الموظفين بمتوسط الراتب.

يجب احتساب صافي القيمة المالية للعملية: الراتب والعلاوات التي ستوفرها الخزينة مقابل المعاش التقاعدي الجديد، ومكافآت نهاية الخدمة إن وجدت، والاشتراكات التي ستتوقف، والكلفة الإضافية على هيئة التقاعد، وعدد السنوات المتبقية لكل موظف حتى سن التقاعد الطبيعي.

الفيل في الغرفة

مؤتمر «أمان» وضع معظم عناصر المشكلة على الطاولة: تضخم فاتورة الأجور، العقود، العلاوات، الهيكل الحكومي، المؤسسات المتداخلة، المتأخرات ونظام التقاعد. 

بل خلص إلى أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تكون مجرد تقشف، وإنما تحتاج إلى إصلاح مؤسسي وهيكلي يحمي في الوقت نفسه الخدمات الأساسية والفئات الأكثر هشاشة.

لكن الحلقة التي تربط كل هذه العناصر بقيت دون طرح صريح: ماذا تفعل الحكومة بالموظفين الذين ستثبت المراجعة الوظيفية أنها لا تحتاج إليهم؟