يدخل المستثمرون أسبوعا قد يكون الأكثر حساسية منذ بداية الصيف، مع تزامن اجتماعات ثلاثة من أكبر البنوك المركزية في العالم مع صدور بيانات النمو والتضخم والتوظيف في الاقتصادات الكبرى.
يأتي ذلك، بينما تلقي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بظلالها على أسواق الطاقة وتعيد إشعال المخاوف التضخمية.
ولا يقتصر اهتمام الأسواق على قرارات أسعار الفائدة نفسها، بل يمتد إلى الرسائل الضمنية التي سيبعث بها صناع السياسة النقدية بشأن الأشهر المقبلة، في وقت ارتفع فيه النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، ليعيد خلط حسابات المستثمرين بشأن مستقبل التضخم والفائدة.
فبعد أشهر من الاعتقاد بأن دورة التشديد النقدي شارفت على نهايتها، عاد النفط ليطرح سؤالاً جديدا: هل يستطيع العالم خفض الفائدة بينما ترتفع أسعار الطاقة مجددا؟
أميركا.. البيان أهم من القرار
يتصدر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، المقرر يوم الأربعاء، أجندة الأسواق العالمية.
وتكاد الأسواق تجمع على أن البنك سيُبقي سعر الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50% - 3.75%، إلا أن الاهتمام الحقيقي سينصب على بيان السياسة النقدية والمؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، أكثر من القرار نفسه.
فالمستثمرون لا يبحثون عن معرفة ما سيحدث هذا الأسبوع، بل يريدون استشراف ما سيحدث في اجتماع سبتمبر.
وتشير تسعيرات الأسواق إلى ارتفاع احتمالات رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال سبتمبر إذا استمرت الضغوط التضخمية، خصوصًا مع الارتفاع الأخير في أسعار النفط.
هل يغير كيفين وارش توقعات الأسواق؟
منذ توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، اتبع كيفين وارش أسلوبا أكثر تحفظا في التواصل مع الأسواق، متجنبا تقديم توجيهات مستقبلية واضحة بشأن السياسة النقدية.
ورغم ذلك، يرى عدد من المحللين أن غياب التوجيهات المباشرة لن يمنع الأسواق من تفسير أي تغيير في لغة البيان باعتباره إشارة إلى المسار المستقبلي للفائدة.
فإذا أشار البيان إلى استمرار مخاطر التضخم، فقد ترتفع توقعات رفع الفائدة مجددا. أما إذا ركز على تباطؤ الاقتصاد، فقد تعود رهانات تثبيت الفائدة لفترة أطول.
لكن العامل الأكثر تعقيدًا يبقى النفط. فكل ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يزيد احتمالات انتقال الضغوط إلى التضخم الأساسي، وهو ما قد يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول مما كانت الأسواق تتوقع قبل أسابيع.
بيانات أمريكية قد تغير الصورة
لن يقتصر الأسبوع على اجتماع الفيدرالي، إذ تصدر عدة مؤشرات رئيسية قد تعيد رسم توقعات المستثمرين، أبرزها:
* مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) لشهر يونيو، وهو المقياس المفضل للفيدرالي لقياس التضخم.
* القراءة الأولى للناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني، وسط توقعات بنمو معتدل.
* الميزان التجاري لشهر يونيو.
* مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي.
وستساعد هذه البيانات الأسواق على تقييم ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي ما يزال يتحمل أسعار الفائدة الحالية، أم أن آثار التشديد بدأت تظهر بصورة أوضح.
أوروبا.. سياسة الانتظار مستمرة
في أوروبا، يدخل المستثمرون الأسبوع بعد قرار البنك المركزي الأوروبي تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الأخير، مع الإبقاء على جميع الخيارات مفتوحة لاجتماع سبتمبر.
ويرى اقتصاديون أن المركزي الأوروبي بات يميل إلى نهج "الانتظار والمراقبة"، في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي من جهة، واستمرار الضغوط التضخمية من جهة أخرى.
ويبدو أن صناع القرار مستعدون لقبول عودة تدريجية للتضخم نحو مستهدف 2%، بدلاً من المخاطرة بإبطاء الاقتصاد أكثر عبر تشديد نقدي إضافي.
الخميس.. يوم أوروبا الاقتصادي
سيكون الخميس الأكثر ازدحامًا بالنسبة للأسواق الأوروبية، مع صدور:
* الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني لألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
* بيانات النمو لمنطقة اليورو.
* القراءات الأولية للتضخم في ألمانيا وإسبانيا.
* استطلاعات ثقة الأعمال والمستهلكين.
* بيانات البطالة.
أما الجمعة، فستصدر:
* تقديرات التضخم في فرنسا وإيطاليا ومنطقة اليورو.
* استطلاعات الثقة الإيطالية.
وستحدد هذه البيانات ما إذا كانت الأسواق ستواصل تسعير احتمال رفع جديد للفائدة الأوروبية خلال سبتمبر، أم أن التباطؤ الاقتصادي سيطغى على مخاوف التضخم.
بنك إنجلترا.. اختبار جديد
في المملكة المتحدة، يترقب المستثمرون قرار بنك إنجلترا يوم الخميس.
وتشير التوقعات إلى تثبيت سعر الفائدة عند 3.75%، إلا أن الأسواق ستركز على مدى استعداد البنك للإبقاء على سياسة نقدية مشددة إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.
ويتوقع محللون أن يبقى الانقسام قائما داخل لجنة السياسة النقدية، بين أعضاء يرون أن التضخم لم يُهزم بعد، وآخرين يخشون تأثير الفائدة المرتفعة على النمو الاقتصادي.
اليابان.. هل يقترب الرفع التالي؟
في آسيا، تتجه الأنظار إلى بنك اليابان، الذي يختتم اجتماعه يوم الجمعة.
ويتوقع على نطاق واسع الإبقاء على سعر الفائدة عند 1%، مع تقييم أثر آخر زيادة في تكاليف الاقتراض.
لكن الأسواق ستراقب تحديثات البنك لتوقعات النمو والتضخم، بحثًا عن أي تلميحات بشأن توقيت الرفع المقبل، والذي يرجح بعض المحللين أن يكون في أكتوبر إذا استمرت الضغوط السعرية.
وسيسبق الاجتماع صدور بيانات مهمة تشمل:
* تضخم طوكيو.
* الإنتاج الصناعي.
* مبيعات التجزئة.
* بيانات التوظيف.
الصين.. اختبار النشاط الصناعي
قد تبدو أجندة الصين أقل ازدحاما، لكنها تحمل مؤشرات لا تقل أهمية للأسواق العالمية. فمؤشرات مديري المشتريات لشهر يوليو، المقرر صدورها الجمعة، ستقدم قراءة مبكرة لاتجاه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وتتوقع الأسواق تراجعا محدودا في المؤشر الصناعي الرسمي نتيجة تباطؤ إعادة بناء المخزونات وتصحيح أسعار بعض السلع الأساسية، إلى جانب انخفاض طفيف في القطاع غير الصناعي مع تأثير العوامل الموسمية.
النفط يعود إلى قلب المعادلة
بعيدا عن البيانات الاقتصادية، يبقى النفط المتغير الأكثر تأثيرًا هذا الأسبوع.
فاستقرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل لا يهدد فقط معدلات التضخم، بل يعيد أيضًا إحياء سيناريو استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وهذا يعني أن المستثمرين لن يكتفوا بمتابعة قرارات البنوك المركزية، بل سيراقبون أيضًا تطورات الحرب في الشرق الأوسط، لأنها قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في رسم مسار التضخم والسياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام.