تحليل | لماذا انفجرت أزمة الوقود في السوق الفلسطينية؟

ChatGPT Image Jul 26, 2026 at 10_50_31 AM.png
المنقبون - The Miners

لم تكن أزمة الوقود الأخيرة في السوق الفلسطينية نتيجة نقص عالمي في الإمدادات أو ارتفاع حاد في أسعار النفط، بل جاءت نتيجة تزامن أربع أزمات مالية وسياسية ولوجستية في الوقت نفسه، ما أدى إلى اختناق غير مسبوق في قدرة السوق على تأمين احتياجاتها من المحروقات.

وعلى الرغم من أن إسرائيل لا تواجه أزمة فعلية في إمدادات النفط، وأن معظم وارداتها تأتي من أذربيجان عبر مسارات لا تتأثر مباشرة بالتوترات في الخليج، فإن السوق الفلسطينية وجدت نفسها مرة أخرى الحلقة الأضعف في أي أزمة إقليمية أو مالية.

أولاً: تراجع سيولة البنوك الفلسطينية داخل إسرائيل

السبب الأكثر إلحاحاً يتمثل في انخفاض أرصدة البنوك الفلسطينية المودعة لدى البنوك الإسرائيلية، وهي الحسابات التي تشكل شريان المدفوعات التجارية بين الجانبين.

هذه الودائع لا تُستخدم فقط لتسوية قيمة واردات الوقود، وإنما أيضاً لسداد قيمة معظم السلع الأساسية القادمة من إسرائيل. 

ومع تراجع السيولة المتاحة، أصبحت قدرة المستوردين والبنوك على تغطية فاتورة المحروقات أكثر صعوبة، ما انعكس مباشرة على عمليات التوريد. بمعنى آخر، الأزمة هنا ليست أزمة نفط، بل أزمة سيولة.

ثانياً: فجوة متزايدة بين التحصيل والسداد

العامل الثاني يتعلق بالتدفقات النقدية للحكومة الفلسطينية. فالحكومة تستوفي قيمة الوقود من محطات التوزيع العاملة في الضفة الغربية، لكنها، وفق المعطيات المتداولة، لا تقوم بتحويل كامل هذه الأموال إلى الشركة الإسرائيلية الموردة.

ويعود ذلك إلى الضغوط المالية الحادة التي تواجهها الخزينة، حيث يتم توجيه جزء من هذه الأموال لتغطية نفقات تشغيلية ورواتب والتزامات طارئة، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تراكم ديون مستحقة لصالح محطات الوقود، ويضعف قدرة السوق على الحصول على كميات جديدة من الوقود.

ثالثاً: المقاصة تحولت من مصدر تمويل إلى مصدر استنزاف

الأزمة الثالثة أكثر تعقيداً، وترتبط ببنية تسعير الوقود نفسها. فالحكومة الفلسطينية تقوم بتحويل القيمة الكاملة للوقود إلى المورد الإسرائيلي، بما يشمل سعر المحروقات، وضريبة القيمة المضافة، وضريبة "البلو".

وكان من المفترض أن تعود الضرائب لاحقاً إلى الخزينة الفلسطينية ضمن أموال المقاصة.

لكن مع استمرار إسرائيل في احتجاز جزء كبير من أموال المقاصة، أصبحت الحكومة تدفع هذه الضرائب فعلياً من سيولتها الخاصة دون أن تستردها، إضافة إلى استمرارها في تحمل مساهمة مالية لتخفيف السعر النهائي على المستهلك الفلسطيني.

وبذلك تحولت آلية دعم الوقود إلى نزيف مالي مستمر يستنزف الخزينة في كل شحنة وقود تدخل الأراضي الفلسطينية.

رابعاً: أولوية السوق الإسرائيلية في أوقات الأزمات

أما العامل الرابع، فهو ذو طابع أمني وسياسي. فمع تصاعد احتمالات اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تميل إسرائيل إلى تعزيز مخزونها الاستراتيجي وإعطاء الأولوية لتلبية احتياجات سوقها المحلية.

ورغم أن إمداداتها النفطية لا تعتمد بصورة مباشرة على مضيق هرمز، فإن سياسات إدارة المخزون خلال فترات التوتر قد تشمل تقليص الكميات المخصصة للسوق الفلسطينية كإجراء احترازي.

وبذلك تصبح السوق الفلسطينية أول من يتحمل كلفة سياسات إدارة المخاطر الإسرائيلية، حتى في غياب نقص فعلي في النفط.

فما يجري اليوم لا يمكن تفسيره بعامل واحد. فالأزمة نتاج تراجع السيولة المصرفية، والضغوط المالية على الحكومة، واحتجاز أموال المقاصة، إلى جانب الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.

وعندما تجتمع هذه العوامل الأربعة في توقيت واحد، تتحول سوق تعتمد بالكامل على مصدر واحد للوقود إلى سوق شديدة الهشاشة، حيث يصبح أي خلل في التمويل أو السياسة أو الأمن كفيلاً بإحداث اضطراب واسع في الإمدادات.