في الوقت الذي تتراجع فيه المساعدات الخارجية للحكومة الفلسطينية عاماً بعد آخر، يبرز الاتحاد الأوروبي بوصفه الممول الأكثر استقراراً، بل والمانح شبه الوحيد الذي حافظ على دعمه المالي المنتظم للموازنة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، عبر آلية PEGASE (بيغاس).
وتظهر بيانات الموازنات الفلسطينية أن الدعم الأوروبي السنوي المقدم للحكومة الفلسطينية عبر آلية بيغاس يشكل أكثر من 70% من إجمالي المنح الخارجية الموثقة في سجلات الموازنة العامة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل الاتحاد الأوروبي العمود الفقري للتمويل الخارجي الذي تتلقاه الحكومة.
ويأتي ذلك في وقت تقلصت فيه مساهمات معظم المانحين التقليديين، سواء الدول العربية أو المؤسسات الدولية أو الولايات المتحدة التي جمدت مساعداتها منذ عام 2017، لتصبح المنح الخارجية للحكومة الفلسطينية عند أدنى مستوياتها منذ تأسيس السلطة الفلسطينية.
الدعم الأوروبي السنوي المقدم للحكومة الفلسطينية عبر آلية بيغاس يشكل أكثر من 70% من إجمالي المنح الخارجية الموثقة في سجلات الموازنة العامة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل الاتحاد الأوروبي العمود الفقري للتمويل الخارجي الذي تتلقاه الحكومة.
أكبر شريك مالي منذ عقود
ولا يقتصر الدور الأوروبي على السنوات الأخيرة فقط، إذ تشير بيانات المجلس الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار) إلى أن إجمالي الدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لفلسطين منذ عام 1994 تجاوز 7 مليارات دولار، توزعت بين دعم الموازنة، وتمويل مشاريع البنية التحتية، وقطاعي الصحة والتعليم، والقطاع الخاص، والبرامج الاجتماعية والإنسانية.
ويجعل ذلك الاتحاد الأوروبي واحداً من أكبر 3 شركاء لفلسطين على مدار أكثر من ثلاثة عقود، سواء من حيث القيمة الإجمالية للتمويل أو استمراريته.
لماذا يعتمد الأوروبيون على "بيغاس"؟
يعتمد الاتحاد الأوروبي منذ عام 2008 على آلية PEGASE لتقديم الجزء الأكبر من دعمه المالي، وهي آلية صُممت لضمان وصول الأموال إلى القطاعات المستهدفة مع إخضاعها لرقابة مالية وفنية صارمة.
وتغطي الآلية تمويل قطاعات حيوية، تشمل الخدمات الصحية والتعليمية، والمساعدات الاجتماعية، ومستشفيات القدس، إضافة إلى برامج دعم القطاع الخاص والإصلاح المؤسسي.
يعتمد الاتحاد الأوروبي منذ عام 2008 على آلية PEGASE لتقديم الجزء الأكبر من دعمه المالي، وهي آلية صُممت لضمان وصول الأموال إلى القطاعات المستهدفة مع إخضاعها لرقابة مالية وفنية صارمة.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن هذه الآلية تضمن كفاءة الإنفاق والشفافية، وتحقق استمرارية الخدمات الأساسية حتى في ظل الأزمات المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية.
أزمة سيولة لا نقص مشاريع
في المقابل، ترى الحكومة الفلسطينية أن طبيعة الأزمة الحالية تختلف عن السنوات السابقة، إذ لم تعد أزمة تنموية بقدر ما أصبحت أزمة سيولة نقدية، نتيجة استمرار اقتطاع إسرائيل لأموال المقاصة وتراجع المنح الخارجية.
ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن الحكومة تحتاج اليوم إلى موارد مالية مرنة لدفع الرواتب والوفاء بالالتزامات التشغيلية، أكثر من حاجتها إلى تمويل مشاريع جديدة، وهو ما يفسر المطالبات المتكررة بمنح الخزينة الفلسطينية مساحة أكبر للاستفادة من المساعدات الأوروبية بصورة مباشرة.
ركيزة الاستقرار المالي
ومع استمرار تراجع التمويل الدولي، باتت المساعدات الأوروبية تمثل عنصر الاستقرار الأهم في المالية العامة الفلسطينية. فاستمرار تدفق الأموال عبر آلية بيغاس ساهم في الحفاظ على عمل عدد من القطاعات الحيوية، ومنع انقطاع خدمات أساسية يعتمد عليها مئات آلاف الفلسطينيين.
ومع ذلك، يظل النقاش قائماً بين الحكومة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي حول أفضل آلية لتوظيف هذا الدعم؛ فبينما يتمسك الأوروبيون بتمويل البرامج والقطاعات المحددة عبر بيغاس، ترى الحكومة أن المرحلة الحالية تتطلب مرونة أكبر في توجيه التمويل لمواجهة الضغوط غير المسبوقة التي تعانيها الخزينة العامة.
وفي ظل استمرار الأزمة المالية، وتراجع مساهمات معظم المانحين، أصبح الاتحاد الأوروبي، عملياً، الممول الخارجي الرئيسي للحكومة الفلسطينية، ليس فقط من حيث حجم التمويل، بل أيضاً من حيث استمراريته ودوره في الحفاظ على الحد الأدنى من استقرار المؤسسات والخدمات العامة.