تحليل | عوائد السندات تنفجر عالمياً.. هل اقتربنا من أخطر اختبار منذ 2008؟

123456765.png
المنقبون - The Miners

لم تعد المشكلة في الأسواق العالمية مرتبطة فقط بالحروب أو التضخم أو أسعار النفط، بل بشيء أعمق وأكثر خطورة: تكلفة المال نفسها بدأت تخرج عن السيطرة.

يظهر تحليل المنقبون، استنادا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل تقفز بوتيرة أعادت إلى الأذهان سنوات ما قبل الانهيار المالي العالمي، في إشارة متزايدة إلى أن المستثمرين باتوا يطالبون بعائدات أعلى بكثير مقابل تمويل الحكومات، وسط تصاعد المخاوف من التضخم والحروب والديون الضخمة.

في الولايات المتحدة، تجاوز عائد السندات لأجل 30 عاماً مستوى 5% للمرة الأولى منذ 2007، بينما وصلت العوائد البريطانية إلى أعلى مستوياتها منذ نحو ثلاثة عقود، وقفزت السندات اليابانية لأجل 20 عاماً إلى أعلى عائد منذ 1996.

الشرارة الأساسية جاءت من الحرب الإيرانية وتداعياتها على أسواق الطاقة. إغلاق مضيق هرمز فعلياً دفع أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع الحاد، ما أدى إلى موجة تضخمية جديدة تضرب الوقود والشحن والطيران والصناعات المرتبطة بالطاقة، من البلاستيك وحتى الأسمدة.

الأسواق بدأت تراهن على أن البنوك المركزية لن تستطيع العودة سريعاً إلى خفض الفائدة، بل قد تضطر إلى إبقائها مرتفعة لفترة أطول، وربما رفعها مجدداً إذا خرج التضخم عن السيطرة.

الأسواق بدأت تراهن على أن البنوك المركزية لن تستطيع العودة سريعاً إلى خفض الفائدة، بل قد تضطر إلى إبقائها مرتفعة لفترة أطول، وربما رفعها مجدداً إذا خرج التضخم عن السيطرة.

لكن الأزمة الحالية لا تتعلق بالحرب وحدها. فالمستثمرون باتوا ينظرون بقلق متزايد إلى حجم الديون الحكومية التي انفجرت بعد أزمة كورونا، ثم تضخمت أكثر مع الإنفاق العسكري والدعم الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة.

في الولايات المتحدة وحدها، يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تضيف خطة دونالد ترمب الاقتصادية نحو 3.4 تريليون دولار إلى العجز خلال العقد المقبل.

هذه المخاوف دفعت وكالة “موديز” العام الماضي إلى سحب آخر تصنيف ائتماني ممتاز للولايات المتحدة، محذرة من أن تضخم الدين الأميركي قد يقوض مكانة واشنطن كأكبر ملاذ مالي عالمي.

المعادلة التي تحكم الأسواق حالياً أصبحت أكثر قسوة: كلما ارتفعت الديون، احتاجت الحكومات لإصدار سندات أكثر، وكلما زاد المعروض من السندات، طالب المستثمرون بعوائد أعلى، ما يرفع بدوره تكلفة خدمة الدين ويخلق حلقة خطيرة يصعب كسرها.

الأزمة الحالية لا تتعلق بالحرب وحدها. فالمستثمرون باتوا ينظرون بقلق متزايد إلى حجم الديون الحكومية التي انفجرت بعد أزمة كورونا، ثم تضخمت أكثر مع الإنفاق العسكري والدعم الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي الخلفية، هناك تحول تاريخي آخر يضغط بقوة على السندات: البنوك المركزية نفسها لم تعد المشتري المنقذ للأسواق كما حدث بعد أزمة 2008 وكورونا. 

برامج التيسير الكمي انتهت، والاحتياطي الفدرالي وبنوك مركزية أخرى باتت تبيع السندات التي راكمتها لسنوات، ما يزيد الضغوط على الأسعار ويرفع العوائد أكثر.

هذا التحول يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله، لأن السندات الحكومية ليست مجرد أداة استثمار، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه أسعار القروض والرهون العقارية وتمويل الشركات وحتى تقييمات الأسهم.

عندما ترتفع العوائد طويلة الأجل، ترتفع معها تلقائياً فوائد الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان وتمويل الشركات، ما يضغط على المستهلكين ويبطئ الاقتصاد.

الخطر الأكبر أن الأسواق قد تدخل ما يعرف بـ “الركود التضخمي”، أي تباطؤ اقتصادي مع استمرار ارتفاع الأسعار، وهو السيناريو الأكثر رعباً للبنوك المركزية لأنه يجعل خفض الفائدة شبه مستحيل.

الخطر الأكبر أن الأسواق قد تدخل ما يعرف بـ “الركود التضخمي”، أي تباطؤ اقتصادي مع استمرار ارتفاع الأسعار، وهو السيناريو الأكثر رعباً للبنوك المركزية لأنه يجعل خفض الفائدة شبه مستحيل.