تحليل | لماذا تنسحب الصين بهدوء من سندات الخزانة الأميركية؟

399259.jpg
المنقبون - The Miners - بلومبرغ

في قلب النظام المالي العالمي تقف سوق سندات الخزانة الأميركية، التي تجاوز حجمها 30 تريليون دولار، باعتبارها حجر الأساس الذي بنت عليه واشنطن قدرتها على تمويل العجز لعقود. 

غير أن ما يحدث في الكواليس يشير إلى تحول بطيء لكنه استراتيجي: الصين، أحد أكبر الدائنين للولايات المتحدة، لم تعد تشتري كما كانت، بل تقلص انكشافها تدريجياً.

فبعد أن بلغت حيازات بكين ذروتها في عام 2013، تراجعت إلى نحو 683 مليار دولار بحلول أواخر 2025، وهو أدنى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية. 

هذا التراجع لا يعكس قراراً مالياً تقنياً فحسب، بل تحوّلاً جيوسياسياً أعمق في كيفية نظر الصين إلى أصول الدولار.

الرسالة التي وجهتها السلطات الصينية مؤخراً للبنوك المحلية بتقليص حيازاتها الخاصة من السندات الأميركية تكشف أن الأمر لم يعد مجرد إدارة مخاطر استثمارية، بل جزء من إعادة هندسة الأمن المالي الوطني. 

في قلب النظام المالي العالمي تقف سوق سندات الخزانة الأميركية، التي تجاوز حجمها 30 تريليون دولار، باعتبارها حجر الأساس الذي بنت عليه واشنطن قدرتها على تمويل العجز لعقود. 

بكين تدرك أن الاعتماد المفرط على أصول خاضعة للسيطرة الأميركية قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في حال تصاعد التوترات حول التجارة أو التكنولوجيا أو تايوان.

سابقاً، كان تجميد احتياطيات روسيا الأجنبية بعد غزو أوكرانيا بمثابة جرس إنذار صاخب لبكين. فقد أظهرت تلك الخطوة أن الدولار ليس مجرد عملة احتياط عالمية، بل أداة قوة يمكن استخدامها سياسياً. 

ومنذ ذلك الحين، أصبح تقليص التعرض للأصول الأميركية جزءاً من استراتيجية “التحصين المالي” الصينية.

لكن الانسحاب من سندات الخزانة ليس خطوة سهلة. فالصين تمتلك أكبر احتياطي عملات أجنبية في العالم بنحو 3.4 تريليون دولار، والخيارات البديلة محدودة. 

الأسواق الأوروبية واليابانية كبيرة لكنها لا تملك عمق وسيولة السوق الأميركية، كما أن كثيراً من هذه الاقتصادات حلفاء لواشنطن، ما يثير احتمال التنسيق معها في أي مواجهة مالية. 

بكين تدرك أن الاعتماد المفرط على أصول خاضعة للسيطرة الأميركية قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في حال تصاعد التوترات حول التجارة أو التكنولوجيا أو تايوان.

أما الأسهم والعقارات العالمية فتوفر عوائد أعلى لكنها تحمل مخاطر أكبر ولا تصلح كأدوات احتياط سيادي.

لذلك، تتبع بكين مساراً وسطاً: تقليص تدريجي للسندات مع زيادة ملحوظة في احتياطيات الذهب، في محاولة لإعادة توازن محفظتها دون إثارة اضطرابات في السوق أو في عملتها. 

فبيع سريع للسندات قد يؤدي إلى ارتفاع اليوان، ما يضعف القدرة التنافسية للصادرات الصينية، وهي الركيزة الأساسية لنمو الاقتصاد.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأثر الفوري لتحركات الصين كان محدوداً، إذ امتصت السوق أي عمليات بيع بسهولة نسبية، في إشارة إلى أن المستثمرين لا يتوقعون انفصالاً مالياً سريعاً بين القوتين.

 لكن سيناريو الانسحاب الأوسع يظل مصدر قلق، إذ إن تراجع الطلب الأجنبي قد يرفع تكاليف الاقتراض الأميركية ويضغط على سوق الرهن العقاري والائتمان.

ورغم أن التخلي الكامل عن السندات الأميركية يبدو مستبعداً، فإن الاتجاه العام واضح: العالم لم يعد يتجه نحو نظام مالي أحادي القطب كما كان في العقد الماضي، بل نحو نظام أكثر تعددية في الاحتياطيات والأصول الآمنة. 

وفي قلب هذا التحول تقف الصين، التي لا تبيع السندات الأميركية بدافع الربح، بل بدافع إعادة تعريف علاقتها المالية مع الولايات المتحدة.