بينما يواصل الذهب صعوده المدفوع بالضبابية الجيوسياسية وتراجع الثقة بالسياسات النقدية، هناك معدن ثمين آخر يتصدر العناوين، ويُحقق مكاسب تفوق الذهب نفسه، إنه الفضة.
ففي جلسة 26 ديسمبر 2025، أغلقت الفضة عند مستوى 77.2 دولارا للأونصة، مسجلة ارتفاعا يفوق 160% منذ بداية العام، في قفزة تاريخية دفعت محللين إلى الحديث عن «عصر جديد للفضة»، لا يقل زخما عن لحظات الصعود الأسطوري للذهب.
الذهب يرتفع... لكن الفضة تطير
صحيح أن الذهب يتجه لإنهاء العام فوق 4500 دولار للأونصة، لكن الفضة سرقت الأضواء، بأداء يتجاوز المعدن الأصفر من حيث نسبة النمو السنوية وقوة الزخم.
ففي الوقت الذي دفع فيه التضخم والقلق السياسي المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن، وجد الكثيرون في الفضة الفرصة الأرخص والأكثر قابلية للانفجار، خاصة مع استمرار اختلال التوازن بين العرض والطلب.
وتراجع مخزونات الفضة في سوق لندن -المركز العالمي لتداول الفضة- إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، بالتزامن مع تدفقات كثيفة إلى صناديق الاستثمار المدعومة بالفضة، دفع السوق إلى نقطة الانفجار.
في أكتوبر، تزامن موسم الأعياد في الهند وهو أحد أكبر مستهلكي الفضة في العالم، مع أزمة سيولة حادة في السوق، ما أدى إلى قفزات سريعة في السعر وتكلفة الاقتراض، وسط حديث عن انكماش فعلي في الإمدادات.
فضة اليوم ليست حُليًّا
الطلب الصناعي كان محركًا رئيسيًا في موجة الصعود الحالية. الفضة عنصر أساسي في:
- الخلايا الشمسية (بفضل معجون الفضة المستخدم فيها)
- السيارات الكهربائية والبطاريات
- الرقائق الإلكترونية والأجهزة الطبية
ومع تباطؤ إنتاج المناجم في المكسيك وبيرو والصين وهم أكبر المنتجين عالميا، نتيجة عوامل بيئية وتشريعية، أصبح الحديث عن نقص في المعروض حقيقيا وليس مجرد تكهنات.
ورغم الارتفاعات الحادة، يرى مستثمرون أن الفضة لا تزال أرخص بكثير من الذهب، ما شجّع على ما يُعرف بـ "لعبة اللحاق"، خاصة بعد أن تجاوزت نسبة الذهب إلى الفضة 100:1 في مطلع العام، قبل أن تتراجع بشكل حاد مع ارتفاع الفضة.
يقول المحللون إن هذه النسبة -أي عدد أونصات الفضة اللازمة لشراء أونصة ذهب- غالبا ما تتقلّب، لكنها عندما تتجاوز 80:1، فإن السوق تميل تاريخيا لصالح الفضة.
وإضافة إلى العوامل الاقتصادية، هناك من يربط الطفرة الحالية بمحاولة بعض الدول تخزين معادن استراتيجية، خاصة بعد إعلان الحكومة الأمريكية إدراج الفضة ضمن قائمة المعادن الحرجة في نوفمبر 2025، ما أثار مخاوف من فرض رسوم أو قيود على التصدير، ودفع المتداولين إلى تكديس المعدن الأبيض قبل فوات الأوان.
اللافت أن سوق الفضة أضيق بكثير من سوق الذهب، فالقيمة السوقية للمخزون العالمي في لندن تبلغ حوالي 50 مليار دولار فقط، مقارنة بأكثر من 1.2 تريليون دولار في الذهب.
هذا يجعل حركة الأسعار أكثر حدة، ويعني أن أي طلب مفاجئ أو خلل في المعروض يُحدث صدمة سريعة في السعر، تماما كما حدث هذا العام.
