تحليل | قراءة في الأزمة المصرفية.. من التالي في "سلسلة الانهيارات"؟

2023-05-04T045430Z_832465627_RC26ZZ9DJXVR_RTRMADP_3_PACWEST-M-A.jpeg
المنقبون - The Miners

تحبس الأسواق أنفاسها انتظارا لمآلات أزمة المصارف التي ضربت القطاع بالولايات المتحدة الأميركية في مارس الماضي، ولا تزال أصداؤها تتردد بشكل واسع خلال المرحلة الراهنة، وسط جدل لا ينقطع عن الحلقة التالية في سلسلة الانهيارات بعد كلٍ من سيلكون فالي وسيغنتيشر وفيرست ريبابليك بنك.

وتثير تلك الأزمة مخاطر واسعة تلف القطاع المصرفي الأميركي وقطاعات مختلفة تبعا لذلك، وسط حالة من "عدم اليقين" تسيطر على الأسواق في ظل تصاعد المخاوف جراء تبعات الأزمة، ومع تعرّض عدد من البنوك الإقليمية لعوامل وضغوط مماثلة للعوامل التي أدت لفشل البنوك الثلاثة أخيراً، تعصف بأسهمها عند أدنى مستوى منذ نهاية العام 2020.

من بين تلك البنوك، يأتي بنك "باك ويست" الذي أعلن، الأربعاء، عن كونه يدرس خيارات استراتيجية بعد تهاوي أسهمه، من بينها البيع أو زيادة رأس المال، الأمر الذي جعل أنظار المحللين تتجه إليه باعتباره ربما يشكل الحلقة الرابعة في هذه السلسلة التي يصعب التكهن إلى أي مدى يُمكن أن تتواصل، وما إن كانت "سحابة عابرة" أم زلزالاً مُدمراً تتفاقم تبعاته إلى ما هو أبعد من النظام المصرفي الأميركي لتُهدد بأزمة مالية واسعة النطاق تُعيد إلى الأذهان كارثة 2007-2008.

المتفائلون بوقف سلسلة الانهيارات يُعولون على قرارات الفيدرالي ووزارة الخزانة، والإجراءات المُتخذة بعد اندلاع الأزمة، ويقللون من إمكانية امتداد العدوى إلى البنوك الكبرى؛ على اعتبار أن الانهيارات الأخيرة ارتبطت بمشكلات داخلية عانت منها تلك البنوك الإقليمية أساساً متعلقة بإدارة المخاطر، والتي تكبدت خسائر واسعة في ظل سياسة رفع سعر الفائدة التي اتبعها الفيدرالي الأميركي منذ العام الماضي لكبح جماح التضخم.

على الجانب الآخر، لا يستبعد أنصار وجهة النظر الثانية "تأثير الدومينو" على نطاق واسع، ليبدأ بالبنوك الإقليمية التي تتكشف تدريجياً عوامل ضعفها الداخلية، وبما يصل إلى تشكيل تهديد حقيقي على القطاع بأكمله ربما لا يستثني بنوكا كبرى، دون أثر حقيقي لسياسة النمو والاندماج المعمول بها حالياً لجهة استحواذ البنوك الكبرى على البنوك المتعثرة.

إلى أي مدى يُمكن أن ينفرط العقد؟

وما بين وجهتي النظر، لا يُعرف تحديداً إلى أي مدى يُمكن أن تصل النيران التي اندلعت بدءًا من سيلكون فالي، رغم أن البنوك الكبرى قد أدارت ظهرها إلى تلك الأزمة، وقد أظهرت نتائج أعمال إيجابية في الربع الأول من العام الجاري 2023.

وكانت دراسة أجراها اقتصاديون ونُشرت في "شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية"، قد تحدثت عن عدد البنوك الأميركية التي تُواجه الخطر.

ذكرت الدراسة أن 186 بنكاً أميركياً آخر (بعد سيلكون فالي) معرض لخطر الفشل، مع ارتفاع أسعار الفائدة، وبالتالي تهاوي قيمة الأصول واضطرار العملاء لسحب ودائعهم.

تبعاً لتلك المعطيات، فما هي البنوك التي تُواجه مخاطر مماثلة؟ وهل هي مرشحة للحاق بمصير البنوك الثلاثة؟ وهل تشمل قائمة البنوك المُهددة بنوكا كبرى أم أن "الفيروس" يضرب البنوك الإقليمية ذات المخاطر المرتفعة وحدها؟ وكيف يرى الفيدرالي الأميركي هذه الأزمة وما هي سياقات تعامله معها؟ وما حدود تأثير سياسة الاندماج والاستحواذ الأخيرة في ترتيب القطاع؟

موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، استطلع تحليلات وآراء عددٍ من المختصين والأكاديميين الاقتصاديين بشأن تقديراتهم لسيناريوهات الموقف الحالي، وما إن كانت ثمة مصارف أخرى على نفس نهج البنوك الثلاثة، على النحو التالي:

بنوك أخرى في الطريق

في البداية، قال الأستاذ الزائر بجامعة فلوريدا الأميركية، جاي ريتر، إن بنك "باك ويست" يُعد من البنوك التي من المُحتمل جداً أن تفشل في الفترة المقبلة أو أن يتم الاستحواذ عليه، وذلك بعد أن أعلن، الأربعاء، عن أنه يدرس خيارات استراتيجية من بينها البيع والتفكير في زيادة رأس المال.

ويلفت في تصريحات لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إلى أن البنك من بين البنوك الإقليمية التي نجت "حتى الآن" لكن لديه الأصول الأكثر إشكالية.

لكنّه في الوقت نفسه لا يعتقد بأن ثمة بنوكاً أخرى في الطريق -بخلاف باك ويست- لتلحق بكل من سيلكون فالي وسيغنيتشر وفيرست ريبابليك، أو "تتعرض للمتاعب"، على حد وصفه.

وينظر الأكاديمي الاقتصادي إلى أن الأزمة الحالية تتعلق بوضع البنوك نفسها، لكنه لا يرى أن هناك أزمة مصرفية واسعة، في وقت تقود فيه تلك الأزمة بشكل حتمي إلى دق ناقوس الخطر والإنذار بالنسبة للبنوك الأخرى، التي تواجه نفس العوامل، وكذلك المنظمين، أي مسؤولي السياسات النقدية والمالية.

وتواصل أسهم البنوك الإقليمية سلسلة خسائرها، من بينها باك ويست الذي تهاوى الخميس بنسبة أكثر من 60 بالمئة.

ووصل مؤشر البنوك الإقليمية إلى أدنى مستوى له منذ العام 2020 خلال تعاملات الثلاثاء الماضي، بعد استحواذ جي بي مورغان على فيرست ريبابليك بنك. سجل المؤشر تراجعاً نسبته 5.2 بالمئة.

وبنهاية تعاملات الجلسة التالية لفشل فيرست ريبابليك،  هبط سهم باك ويست بحوالي 30 بالمئة، قبل أن يتهاوى بأكثر من 56 بالمئة في جلسة الأربعاء.

كما تراجع سهم Western Alliance Bank  بنسبة 21 بالمئة، وتراجع  KeyCorp بنحو 10 بالمئة.

نقاط ضعف البنوك الصغيرة والمتوسطة

أستاذ الاقتصاد في كلية ويليامز، جيرارد كابريو، يقول في تصريحات خاصة لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه "من المعروف أن هناك نقاط ضعف بين البنوك الصغيرة والمتوسطة في الولايات المتحدة".

ويردف: ولقد جاءت أزمة البنوك الثلاثة معبرة عن ذلك؛ فبالنسبة لفيرست ريبابليك بنك، فإنه كان يحتل المرتبة الـ 14 بقائمة أكبر البنوك اعتباراً من ديسمبر الماضي، بأصول بلغت 212 مليار دولار ، فيما كان "سيلكون فالي" في المركز الـ 16 بـ 207 مليارات دولار، وسيغنيتشر الـ 29، إضافة إلى سيلفرغيت الذي كان يحتل المرتبة الـ 129، بحوالي 11 مليار دولار، وباك ويست في المرتبة الـ 43.

ويضيف: "بينما البنوك الكبرى، العشرة الأوائل منها تمتلك حوالي 10 تريليونات دولار من الأصول".

ويوضح أن البنوك الصغيرة والمتوسطة تميل إلى الحصول على الكثير من القروض طويلة الأجل بأسعار فائدة منخفضة، لذلك كانت حالات الفشل مماثلة لإخفاقات بنوك الادخار والقروض في الثمانينيات؛ نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة.

من ناحية أخرى، تميل البنوك الكبيرة إلى امتلاك المزيد من الأصول ذات السعر العائم، لذلك عندما ترتفع أسعار الفائدة تزداد دخولها.

هل تنهي صفقة فيرست ريبابليك دومينو انهيار البنوك الأميركية؟

وتبعاً لذلك، يقول أستاذ الاقتصاد في كلية ويليامز: "أتوقع المزيد من الإجراءات المصرفية في الولايات المتحدة والمزيد من التكاليف المحتملة لمؤسسة التأمين الفيدرالية (FDIC) لاستيعاب الوضع"، موضحاً أن "المخاطر الأخرى المتبقية للبنوك الأميركية تتمثل في العقارات التجارية، والتي تعاني حالياً لأن المساحات المكتبية لا تزال أقل استخداماً بعد جائحة كورونا، وتأثيرات التباطؤ الاقتصادي على النظام بأكمله".

وأعلنت وكالة موديز للتصنيف الائتماني، أخيراً، عن خفض تقييمها للقطاع المصرفي الأميركي من مستقر إلى سلبي، على خلفية انهيار البنوك الثلاثة.

وفي مارس الماضي، حذّرَ المساعد السابق لوزير الخزانة الأميركي، بول كريغ روبيرتس، في تصريحات نقلتها تقارير إعلامية من تعرض خمسة بنوك "كبرى" للإفلاس، مشدداً على أهمية اتجاه الفيدرالي الأميركي لوقف وتيرة رفع سعر الفائدة، والاتجاه لخفض الفائدة حتى لا يقوض أرصدة وأصول البنوك.