تدرس الحكومة الفلسطينية حالياً أحد أكبر التحولات في إدارة المالية العامة منذ سنوات، يتمثل في إعادة هيكلة الدين العام والمتأخرات وتحويل الجزء الأكبر منها من الشيكل إلى الدولار الأميركي.
يأتي ذلك في خطوة تستهدف الحد من مخاطر تقلبات سعر الصرف وتقليل الضغوط التي فرضها ارتفاع قيمة العملة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه الدراسة في وقت تجاوز فيه إجمالي الدين العام والمتأخرات حاجز 45 مليار شيكل، فيما تشير بيانات وزارة المالية إلى أن أكثر من 65% من هذا الدين مقوم بالشيكل، أي ما يقارب 30 مليار شيكل.
وبأسعار الصرف الحالية، تعادل هذه الكتلة من الديون المقومة بالشيكل، نحو 10 مليارات دولار.
على فرض كان هذا الرقم بعملة الشيكل مسجلاً في دفاتر ديون وزارة المالية الفلسطينية قبل 4 سنوات، فإن القيمة نفسها كانت تعادل 8.33 مليارات دولار فقط عندما كان سعر صرف الدولار يقارب 3.6 شيكل.
وعلى فرض كان هذا الرقم بعملة الشيكل مسجلاً في دفاتر ديون وزارة المالية الفلسطينية قبل 4 سنوات، فإن القيمة نفسها كانت تعادل 8.33 مليارات دولار فقط عندما كان سعر صرف الدولار يقارب 3.6 شيكل.
وهذا يعني أن الارتفاع الكبير في قيمة الشيكل أمام الدولار رفع القيمة الدولارية للدين بأكثر من 1.6 مليار دولار، رغم أن أصل الدين بالشيكل لم يتغير.
فاتورة خفية
تكشف هذه الأرقام أن مخاطر الدين لا ترتبط فقط بحجمه، وإنما أيضاً بالعملة التي يُقاس بها.
فكلما ارتفع الشيكل أمام الدولار، ارتفعت تلقائياً القيمة الحقيقية للدين عند احتسابه بالدولار أو الدينار، وهو ما يزيد العبء المالي على الحكومة ويقلص هامش المناورة في إدارة المالية العامة.
وفي المقابل، فإن ربط الدين بالدولار يجعل قيمته أكثر استقراراً، نظراً لأن معظم المساعدات الخارجية والقروض الدولية والعديد من الالتزامات الحكومية يتم تقييمها أو تمويلها بالدولار.
فكرة قديمة تعود للواجهة
قبل نحو 4 سنوات، دعا خبراء اقتصاديون من بينهم المستشار المالي والمصرفي محمد سلامة، إلى إعادة هيكلة الدين العام والمتأخرات وتحويلها إلى الدولار الأميركي أو الدينار الأردني، محذرين آنذاك من مخاطر الاعتماد المفرط على الشيكل في إدارة الدين العام.
كلما ارتفع الشيكل أمام الدولار، ارتفعت تلقائياً القيمة الحقيقية للدين عند احتسابه بالدولار أو الدينار، وهو ما يزيد العبء المالي على الحكومة ويقلص هامش المناورة في إدارة المالية العامة.
لماذا الدولار؟
يرى مؤيدو المقترح أن تحويل الدين العام إلى الدولار يحمل عدة مزايا استراتيجية. أولها تحييد مخاطر تقلبات سعر صرف الشيكل، بحيث لا ترتفع القيمة الحقيقية للدين مع كل صعود للعملة الإسرائيلية.
وثانيها تسهيل إدارة الدين العام، لأن معظم أدوات التمويل الدولية والمساعدات والمنح والقروض الخارجية تعتمد الدولار كعملة رئيسية.
أما الميزة الثالثة فتتمثل في تحسين القدرة على التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل، إذ تصبح الحكومة أقل عرضة للمفاجآت الناتجة عن تغيرات سوق العملات.
التحديات لا تختفي
ورغم المزايا المحتملة، فإن نجاح أي عملية لإعادة هيكلة الدين سيبقى مرتبطاً بطريقة التنفيذ.
فإذا جرى تحويل الالتزامات عند مستويات مرتفعة للشيكل، فقد تُثبت الحكومة قيمة الدين عند مستوى مرتفع تاريخياً، بينما قد يؤدي أي تراجع لاحق في الشيكل إلى فقدان فرصة الاستفادة من انخفاض قيمته.
كما أن جزءاً كبيراً من إيرادات السلطة الفلسطينية، وعلى رأسها أموال المقاصة، يدخل بالشيكل، ما يعني أن الحكومة ستظل بحاجة إلى إدارة مخاطر التحويل بين العملات بصورة مستمرة.
إعادة تعريف إدارة الدين
إذا مضت الحكومة في هذا المسار، فلن يكون الأمر مجرد تغيير لعملة محاسبية، بل إعادة صياغة لفلسفة إدارة الدين العام في فلسطين.
فالسنوات الأخيرة أظهرت أن تقلبات أسعار الصرف قادرة على إضافة مليارات الشواكل إلى القيمة الفعلية للالتزامات الحكومية دون اقتراض جديد، وهو ما يجعل اختيار عملة الدين قراراً مالياً واستراتيجياً لا يقل أهمية عن حجم الدين نفسه.
تحليل المنقبون
ورغم أن إعادة هيكلة الدين العام وتحويل الجزء المقوم بالشيكل إلى الدولار تبدو خطوة منطقية على المدى الطويل، إلا أن التوقيت الحالي قد لا يكون مثالياً من الناحية المالية.
فالشيكل يتداول حالياً عند مستويات قوية أمام الدولار مقارنة بالسنوات الماضية، ما يعني أن تحويل نحو 30 مليار شيكل إلى الدولار الآن سيؤدي إلى تثبيت قيمة الدين عند مستوى دولاري مرتفع تاريخياً.
فهذه الكتلة من الديون تعادل اليوم قرابة 10 مليارات دولار، بينما كانت تعادل قبل ست سنوات نحو 8.33 مليارات دولار عندما كان سعر صرف الدولار يقارب 3.6 شيكل.
ومن هذا المنطلق، فإن تنفيذ عملية التحويل في ظل قوة الشيكل قد يحرم المالية العامة من الاستفادة مستقبلاً إذا تراجعت العملة الإسرائيلية وعاد الدولار للارتفاع.
وفي تلك الحالة، فإن القيمة الدولارية للدين ستنخفض تلقائياً، ما يجعل إعادة الهيكلة أكثر جدوى وأقل كلفة.