يواجه بنك إسرائيل واحدة من أصعب اختباراته النقدية في العقد الأخير، مع ارتفاع الشيكل إلى 2.92 مقابل الدولار الأمريكي، مسجّلاً أعلى مستوى للعملة المحلية منذ 31 عاماً.
هذا الصعود للشيكل، يضع المستويات القياسية للعملة في تماس مباشر مع مصالح قطاع التصدير، ويعيد فتح النقاش حول حدود التدخّل النقدي ودوره في إدارة سعر صرف يتأرجح بين قوى السوق وأولويات السياسة الاقتصادية.
موجة الصعود الأخيرة جاءت مدفوعة بتدفّقات رأسمالية متصاعدة على القطاع التكنولوجي الإسرائيلي، وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية بعد هدوء جبهات إقليمية، إلى جانب فوائض مستمرة في الحساب الجاري.
النتيجة كانت ضغطاً صعودياً على الشيكل أقلق المصدّرين، وفي مقدّمتهم شركات التكنولوجيا التي تحقّق إيراداتها بالدولار وتدفع تكاليف تشغيلها بالشيكل، إذ يقلّص كلّ ارتفاع جديد هوامش الربحية ويُلقي بظلاله على قرارات التوظيف والاستثمار.
الأكثر تقليدية، هو خفض أسعار الفائدة. خفض الفائدة الرسمية يُضعف جاذبية الأصول المُقوَّمة بالشيكل أمام المستثمرين الباحثين عن العوائد، ويُخفّف الفجوة بين أسعار الفائدة الإسرائيلية والأمريكية، فيتراجع الطلب على العملة المحلية بصورة طبيعية.
ووفق تحليل منصة المنقبون، أمام البنك المركزي اليوم ثلاثة سيناريوهات يتفاوت في كلفتها وفعاليتها وقبولها السياسي.
السيناريو الأول
الأكثر تقليدية، هو خفض أسعار الفائدة. خفض الفائدة الرسمية يُضعف جاذبية الأصول المُقوَّمة بالشيكل أمام المستثمرين الباحثين عن العوائد، ويُخفّف الفجوة بين أسعار الفائدة الإسرائيلية والأمريكية، فيتراجع الطلب على العملة المحلية بصورة طبيعية.
غير أن هذا الخيار يصطدم بواقع تضخّمي حسّاس؛ فالبنك ما زال يخوض معركة عودة التضخّم إلى نطاقه المستهدف عند 1 - 3٪، وأيّ تيسير مبكّر قد يُعيد إشعال أسعار الإيجارات والخدمات غير القابلة للاستيراد.
الأقرب إلى التقاليد التشغيلية لبنك إسرائيل، هو التدخّل المباشر في سوق الصرف عبر شراء الدولار وضخّ الشيكل، ما يرفع الطلب على العملة الأمريكية ويزيد المعروض من الشيكل في السوق فيتراجع سعره.
هذه الأداة فعّالة، لكنها باهظة على جبهة استقرار الأسعار.
السيناريو الثاني
الأقرب إلى التقاليد التشغيلية لبنك إسرائيل، هو التدخّل المباشر في سوق الصرف عبر شراء الدولار وضخّ الشيكل، ما يرفع الطلب على العملة الأمريكية ويزيد المعروض من الشيكل في السوق فيتراجع سعره.
ويمتلك البنك مساحة استثنائية لتنفيذ تدخّلات بهذا الحجم؛ فاحتياطيّاته من النقد الأجنبي ارتفعت بنهاية أبريل 2026 إلى 235.7 مليار دولار، بزيادة شهرية بلغت 6.32 مليار دولار، لتصل نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي 38.4٪، وهي من بين الأعلى عالمياً.
الزيادة الشهرية جاءت أساساً نتيجة إعادة تقييم محفظة الأصول بنحو 7.47 مليار دولار، وقابلَها جزئياً نشاط حكومي في سوق الصرف بنحو 1.15 مليار دولار.
هذا الحجم من الذخيرة يمنح صانع القرار قدرة على التدخّل المستمرّ دون قلق على الميزان الخارجي، وقد سبق للبنك تنفيذ تدخّل واسع بين 2020 و 2021 بهدف امتصاص تدفّقات النقد الأجنبي.
تجارب اقتصادات الأسواق الناشئة، من تايلند 1997 إلى الأرجنتين في عقود لاحقة، أثبتت أن سياسات التثبيت غير المدعومة بأساسيات اقتصادية تنتهي عادةً إلى أزمات أعمق من تلك التي حاولت تجنّبها.
لكن العيب البنيوي في هذه الأداة أن أثرها كثيراً ما يكون عابراً؛ فالتدخل يُبطئ سرعة الارتفاع ولا يعكس اتجاه السوق ما لم تتبدّل القوى الأساسية المغذّية له.
السيناريو الثالث
الأكثر تطرّفاً والأبعد عن الواقع، هو تثبيت سعر الصرف عند مستوى يحدّده البنك المركزي وإخراج الشيكل فعلياً من نظام العرض والطلب.
وهذا الخيار مستبعد كلّياً لأسباب جوهرية: فهو يتعارض مع الإطار النقدي القائم منذ سنوات على استهداف التضخّم ضمن نظام صرف مرن، ويعرّض الاحتياطيات لاستنزاف سريع في حال هاجمت الأسواق العملةَ، ويُحوّل البنك إلى لاعب وحيد في مواجهة تدفقات لا يستطيع التحكّم بها على المدى الطويل.
تجارب اقتصادات الأسواق الناشئة، من تايلند 1997 إلى الأرجنتين في عقود لاحقة، أثبتت أن سياسات التثبيت غير المدعومة بأساسيات اقتصادية تنتهي عادةً إلى أزمات أعمق من تلك التي حاولت تجنّبها.
السيناريو العملي الأرجح هو توليفة من الخيارين الأول والثاني؛ تكثيف التدخّل اللفظي عبر تصريحات المحافظ ولجنة السياسة النقدية لاختبار حدود السوق وردّ فعل المستثمرين، يليه تدخّل تدريجي في سوق الصرف عند تجاوز عتبات حسّاسة، مع إبقاء خفض الفائدة خياراً مؤجّلاً مشروطاً بمسار التضخّم نحو هدف البنك.