أظهر مسح لمنصة المنقبون، أن فلسطين أقرت 7 موازنات طوارئ منذ عام 2019 حتى مشروع موازنة الطوارئ للعام الجاري 2026.
وخلال ثماني سنوات فقط، أقرت الحكومة الفلسطينية 7 موازنات طوارئ، في مؤشر واضح على حجم الضغوط المالية والسياسية التي تواجه المالية العامة، وعلى صعوبة إعداد موازنات قائمة على تقديرات واضحة للإيرادات والنفقات والنمو الاقتصادي.
آخر هذه الموازنات كان مشروع موازنة عام 2026 الذي تقوم على إعداده الحكومة كموازنة طوارئ نقدية، وهي صيغة تعكس واقعاً مالياً شديد التعقيد.
ويتم الصرف من الخزينة وفق التدفقات النقدية المتاحة فقط، دون وجود تقديرات تفصيلية واضحة للإيرادات أو النفقات أو معدلات النمو والتضخم؛ وإن توفرت الأرقام الأولية فإنها لن تكون ملزمة بالتطبيق من جانب الحكومة.
خلال ثماني سنوات فقط، أقرت الحكومة الفلسطينية 7 موازنات طوارئ، في مؤشر واضح على حجم الضغوط المالية والسياسية التي تواجه المالية العامة، وعلى صعوبة إعداد موازنات قائمة على تقديرات واضحة للإيرادات والنفقات والنمو الاقتصادي.
موازنات تستجيب للأزمات
وبالنظر النظر إلى تطور الموازنات الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة يكشف نمطاً واضحاً من الإدارة المالية القائمة على الاستجابة للأزمات بدلاً من التخطيط طويل الأجل.
فمنذ تولي رئيس الوزراء محمد اشتية رئاسة الحكومة في عام 2019، لم تقر حكومته سوى موازنة تقليدية واحدة فقط، وكانت في عام 2022، بينما اعتمدت بقية السنوات على موازنات طوارئ.
ففي عام 2019، واجهت المالية العامة صدمة كبيرة بعد قيام إسرائيل باقتطاع جزء من أموال المقاصة، وهي الإيرادات الضريبية التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية.
وفي 2020 و2021، جاءت جائحة كورونا لتعمق الأزمة المالية، حيث تراجعت الإيرادات الاقتصادية، بينما ارتفعت النفقات الاجتماعية والصحية، ما جعل إعداد موازنة تقليدية أمراً شبه مستحيل في ظل الضبابية الاقتصادية.
عام 2022 كان الاستثناء الوحيد خلال هذه الفترة، حيث أقرت الحكومة موازنة متكاملة لأول مرة منذ عام 2018.
عام 2022 كان الاستثناء الوحيد خلال هذه الفترة، حيث أقرت الحكومة موازنة متكاملة لأول مرة منذ عام 2018.
وقدرت الحكومة حينها الإيرادات بنحو 4.7 مليارات دولار مقابل نفقات بلغت 5.8 مليارات دولار، مع عجز بعد التمويل قدره 558 مليون دولار. لكن هذه التجربة لم تستمر طويلاً، إذ عادت الحكومة في 2023 إلى موازنة الطوارئ.
ولم يتوقف هذا النمط عند ذلك الحد، إذ استمرت الموازنات الطارئة في عهد رئيس الوزراء الحالي محمد مصطفى لأعوام 2024 و2025 و2026، ما يعني أن إدارة المالية العامة الفلسطينية باتت تعمل فعلياً في إطار طارئ شبه دائم.
ما هي موازنة الطوارئ؟
موازنة الطوارئ هي صيغة مالية تستخدمها الحكومات عندما تكون الظروف الاقتصادية أو السياسية غير مستقرة إلى درجة تمنع إعداد موازنة تقليدية.
في هذه الحالة، لا تعتمد الحكومة على تقديرات دقيقة للإيرادات والنفقات، بل تقوم بإدارة الإنفاق وفق السيولة المتوفرة فعلياً في الخزينة، حتى وإن وضعت أرقاماً أولية، لكنها لا تكون ملزمة في التطبيق.
بمعنى آخر، يتم الصرف حسب المتاح نقدياً وليس وفق خطط إنفاق سنوية محددة. وغالباً ما يتم إعطاء الأولوية للنفقات الأساسية مثل الرواتب والخدمات العامة، بينما يتم تأجيل أو تقليص النفقات الأخرى.
ضغط مالي وسياسي مزدوج
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وهي الإيرادات الضريبية التي تمثل أكبر مصدر للدخل الحكومي.
وتعتبر هذه الاقتطاعات أحد أهم العوامل التي تزيد من هشاشة المالية العامة، لأنها تقلل من القدرة التنبؤية للإيرادات الحكومية.
النتيجة النهائية لهذه المعادلة هي أن الاقتصاد الفلسطيني أصبح يعمل فعلياً في حالة إدارة مالية طارئة شبه مستمرة. فالموازنة، التي يفترض أن تكون أداة لتوجيه السياسات الاقتصادية وتحفيز النمو، أصبحت في الواقع أداة لإدارة السيولة وتجنب الانهيار المالي.