أنهت الحكومة الفلسطينية عام 2025 في وضع مالي هشّ، يختلط فيه الانكماش القسري في الإنفاق مع تزايد الاعتماد على الدين والمنح الخارجية.
الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية واطلعت عليه منصة المنقبون، تعكس عاماً من الإدارة بالأزمة، أكثر منه عاماً لسياسة مالية قادرة على التخطيط متوسطة الأجل.
على جانب الإيرادات المحلية (من دون احتساب المنح)، لم تُحصِّل الحكومة سوى 11.23 مليار شيكل مقابل توقعات بنحو 15.3 مليار شيكل، أي فجوة تقارب 4.1 مليار شيكل، أو نحو ربع الإيرادات المتوقعة تقريباً.
السبب المركزي ليس تراجع النشاط الاقتصادي فقط، بل الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، التي حوّلت قناة الإيرادات الأهم إلى أداة ضغط سياسي ومالي مباشرة.
في المقابل، بلغت النفقات الفعلية 12.4 مليار شيكل فقط، مقابل خطط أولية للإنفاق عند 19.4 مليار شيكل، أي أن الحكومة أنفقت عملياً أقل بنحو 7 مليارات شيكل من المخطط، في تراجع يقارب 36% عن الموازنة.
بنهاية 2025، ارتفع إجمالي الدين العام إلى نحو 36.7 مليار شيكل، مقارنة مع 32.4 مليار شيكل في نهاية 2024، أي زيادة بنحو 4.3 مليار شيكل خلال عام واحد.
هذا “الانضباط بالنفقات” ليس نتاج إصلاح مالي، بل نتيجة دفع أجور منقوصة لموظفي القطاع العام، وتراكم متأخرات مستحقة لجهات متعددة في القطاعين العام والخاص، ما يعني أن جزءاً من العجز جرى ترحيله إلى المستقبل على شكل مستحقات غير مدفوعة، وليس خفضه فعلياً.
وتبرز في هذا السياق أموال المقاصة كعنصر حاسم في معادلة 2025. هذه الأموال هي الضرائب الجمركية وضريبة القيمة المضافة إلى جانب ضريبة البلو التي تجبيها إسرائيل على الواردات المخصّصة للأسواق الفلسطينية.
هذه الآلية، التي تشكل تاريخياً أكثر من نصف الإيرادات العامة تحوّلت عملياً إلى “صنبور مالي” تستطيع إسرائيل فتحه أو تضييقه وفقاً لاعتبارات سياسية وأمنية، ما يزيد هشاشة المالية العامة الفلسطينية ويفاقم عدم القدرة على التخطيط.
في 2025، كانت الحكومة تتوقع أن تتسلم أكثر من 10 مليارات شيكل صافية من أموال المقاصة، إلا أن ما دخل فعلياً – بعد الاقتطاعات – لم يتجاوز 6.2 مليار شيكل، أي أقل بـ 3.8 مليار شيكل عن التقديرات.
هذا “الانضباط بالنفقات” ليس نتاج إصلاح مالي، بل نتيجة دفع أجور منقوصة لموظفي القطاع العام، وتراكم متأخرات مستحقة لجهات متعددة في القطاعين العام والخاص، ما يعني أن جزءاً من العجز جرى ترحيله إلى المستقبل على شكل مستحقات غير مدفوعة، وليس خفضه فعلياً.
وهذا الرقم البالغ 6.2 مليار شيكل لم تتسلمه الحكومة الفلسطينية كاملاً بسبب تعليق إسرائيل تحول أموال المقاصة منذ مايو 2025.
هذه الفجوة، إلى جانب القيود على الاقتراض والضغط السياسي، دفعت الحكومة إلى سياسة “التقشف القسري عبر الأجور”، وتأجيل مدفوعات لمورّدين ومؤسسات، ما ينقل الضغط من ميزانية الدولة إلى ميزانيات مكدسة بالمتأخرات داخل الاقتصاد المحلي.
المفارقة اللافتة في 2025 كانت على جانب المنح الخارجية؛ إذ وصلت إلى 3.22 مليار شيكل، وهو أعلى مستوى للمساعدات منذ عام 2015، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي تحرك لتفادي الانهيار المالي الكامل.
وبنهاية 2025، ارتفع إجمالي الدين العام إلى نحو 36.7 مليار شيكل، مقارنة مع 32.4 مليار شيكل في نهاية 2024، أي زيادة بنحو 4.3 مليار شيكل خلال عام واحد.
هذا يعني أن الحكومة موّلت جزءاً معتبراً من التزاماتها عبر الاستدانة، فوق ما تحمّلته من تراكم متأخرات، ما يضع المالية العامة على مسار أكثر هشاشة مستقبلاً، سواء على صعيد خدمة الدين أو على صعيد ثقة المانحين والمصارف المحلية.
على الورق، قد يبدو العجز النقدي المباشر محدوداً نسبياً إذا جُمعت الإيرادات المحلية (11.23 مليار شيكل) مع المنح الخارجية (3.22 مليار شيكل) في مقابل النفقات الفعلية (12.4 مليار شيكل).
لكن هذا الحساب يتجاهل حقيقة أن النفقات “المنفَّذة” أقل من الحاجات الفعلية، وأن ما لم يُدفَع لم يختفِ، بل تحوّل إلى دين داخلي صامت ومتأخرات تُثقِّل كاهل الاقتصاد، من موظفين عموميين إلى مورّدين وشركات خاصة وبنوك تمر بضائقة سيولة.